الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

378

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين ( 1 ) . لقد جاءهم نبيهم بمنطق قوي وقلب ملؤه الحب ، ومعه المعاجز الإلهية ، إلا أن هؤلاء القوم المغرورين المستعلين لم يرفضوا دعوته - وحسب - بل آذوه وأتباعه القليلين ، لذلك شملهم الله بعقابه في الدنيا ، ولن يغني ذلك عن عذاب الآخرة شيئا . نقرأ في الآية ( 78 ) من سورة الأعراف أنهم أصيبوا بزلزلة عظيمة ، فبقيت أجسادهم في المنازل بدون حراك : فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين . وفي الآية ( 5 ) من سورة الحاقة قوله تعالى بشأنهم : فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية . أما الآية ( 67 ) من سورة هود فتقول عنهم : وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين . أما الآية التي نحن بصددها فقد استخدمت تعبير " صاعقة " . قد يتصور البعض أن هناك تعارضا بين هذه التعابير ، ولكن عند التدقيق يظهر أن الكلمات الأربع أعلاه ( رجفة ، طاغية ، صيحة ، صاعقة ) ترجع جميعا إلى حقيقة واحدة ، لأن الصاعقة - كم قلنا سابقا - لها صوت مخيف ، بحيث يمكن أن نسميها بالصيحة السماوية ، ولها أيضا نارا محرقة ، وهي عندما تسقط على منطقة معينة تحدث هزة شديدة ، وكذلك هي وسيلة للتخريب . في الواقع إن البلاغة القرآنية تستوجب أن تبين الأبعاد المختلفة للعذاب الإلهي بتعابير مختلفة وفي سياق آيات عديدة كيما تخلف اثرا عميقا في نفس الانسان . وهؤلاء القوم قد واجهتهم عوامل مختلفة للموت في إطار حادثة واحدة ، بحيث أن كل عامل لوحده يكفي لإبادتهم كالصيحة المميتة مثلا ، أو الهزة الأرضية

--> 1 - الحجر ، الآية 82 .