الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
35
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
2 ملاحظة تتضمن هاتان الآيتان إشارات لطيفة إلى نقاط مهمة : 1 - في الآية الأولى ، ذكرت فلسفة الحوادث المرة والصعبة ، وانكشاف ستائر الغرور والغفلة عن عين القلب ، وصيرورة شعاع الإيمان شعلة وهاجة ، والعودة والإنابة إلى لله سبحانه وتعالى ، وأجابت الآية في نفس الوقت أولئك الذين يتصورون أن وجود مثل تلك الحوادث الصعبة في الحياة إنما هي نقص في مسألة نظام الخلق وفي عدالة البارئ عز وجل . 2 - الآية الثانية تبدأ بالدعوة إلى العمل وبناء الذات وتنتهي بالعلم والمعرفة ، لأن من لم يبن ذاته ، لا تشع أنوار المعرفة من قلبه ، حيث لا يمكن أصلا فصل العلم عن بناء الذات . 3 - قوله تعالى : قانت آناء الليل وردت هنا بصيغة اسم فاعل ، وكلمة ( الليل ) جاءت مطلقة لتشير إلى استمرار عبودية وخضوع أولئك لله سبحانه ، لأن العمل إذا لم يستمر فيكون ضعيف جدا . 4 - إن العلم الاضطراري المتولد من نزول البلاء والذي يربط الإنسان بخالقه ، لا يكون مصداقا حقيقيا للعلم الا إذا استمر إلى ما بعد هدوء العاصفة . لذا فإن الآيات المذكورة أعلاه تجعل الإنسان الذي يستيقظ حال نزول البلاء ويعود إلى غفلته عند زواله تجعله في عداد الجهلة . إذن فإن العلماء الحقيقيين هم المتوجهون إليه تعالى في كل الحالات . 5 - مما يلفت الانتباه أن نهاية الآية الأخيرة تقول : إن الفرق بين الجاهل والعالم لا يدركه سوى أولي الألباب ! لأن الجاهل لا يدرك قيمة العلم ! وفي الحقيقة إن كل مرحلة من مراحل العلم هي مقدمة لمرحلة أخرى . 6 - العلم في هذه الآية وبقية الآيات لا يعني معرفة مجموعة من المصطلحات ، أو العلاقة المادية بين الأشياء ، وإنما يقصد به المعرفة الخاصة التي