الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

312

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

التوحيدية الآنفة ، وجاءت لكي تقضي على أدنى بارقة أمل قد يحتمل وجودها في نفوس المشركين ، إذ يقول تعالى موجها كلامه إلى النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي . ولم ينهاني ربي عن عبادة غيره فحسب ، بل : وأمرت أن أسلم لرب العالمين . نهى عن عبادة الأصنام يتبعه - مباشرة - بدليل منطقي من البراهين والبينات ومن العقل والنقل ، في أن يسلم ل‍ : " رب العالمين " وفي هذه العبارة أيضا دليل آخر على المقصود لأن كونه رب العالمين دليل كاف على ضرورة التسليم في مقابله . ومن الضروري أن نشير إلى افتراق الأمر والنهي في هذه الآية ، فهناك أمر بالتسليم لله جل وعلا ، ونهي عن عبادة الأصنام ، وقد يعود السبب في التفاوت بين النهي والأمر إلى أن الأصنام قد تختص بصفة " العبادة " وحسب ، لذلك جاء النهي عن عبادتها . أما بالنسبة لله تعالى فبالإضافة إلى عبادته يجب التسليم له والانصياع والانقياد إلى أوامره وتعليماته . لذلك نقرأ في الآيتين ( 11 - 12 ) من سورة " الزمر " قوله تعالى : قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين . إن أمثال هذه الصيغ والأساليب المؤثرة يمكن أن نلمسها في كل مكان من كتاب الله العزيز ، فهي تجمع الليونة والأدب حتى إزاء الأعداء والخصوم ، بحيث لو كانوا يملكون أدنى قابلية لقبول الحق فسيتأثرون بالأسلوب المذكور . ينبغي أن نلاحظ أيضا التعبير في قوله تعالى : إني أمرت . . . إني نهيت أي عليكم أنتم أن تحاسبوا أنفسكم من دون أن يثير فيهم حس اللجاجة والعناد . الكلام الأخير في هذه المجموعة من الآيات هو أنها أعادت وصف الخالق ب‍ " رب العالمين " في ثلاث آيات متتالية :