الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
296
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الآية التي بعدها ، وفي إطار مقارنة واضحة تكشف عن الفرق بين حال المتكبرين الجهلة إزاء المؤمنين الواعين ، حيث يقول : وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسئ ( 1 ) . إلا أنكم بسبب جهلكم وتكبركم : قليلا ما تتذكرون ( 2 ) . إن المبصرين يرون صغر أنفسهم إزاء عظمة العالم المحيط بهم ، وبذلك فهم يعرفون قدر أنفسهم ومعرفتهم وموقعهم ، إلا أن الأعمى لا يدرك موقعه أو حجمه في الزمان والمكان وفي عموم الوجود المحيط به . لذلك فهو يخطئ دائما في تقييم أبعاد وجوده ، ويصاب بالكبر والغرور والوهم الذي يدفعه إلى ما هو قبيح وسئ . ونستفيد أيضا من خلال ارتباط الجملتين ببعضهما البعض أن الإيمان والعمل الصالح ينور بصائر القلب والفكر بنور المعرفة والتواضع والاستقرار ، بعكس الكفر والعمل الطالح الذي يجعل الإنسان أعمى فاقدا لبصيرته ، مشوها في رؤيته للأشياء والمقاييس . الآية الأخيرة في المجموعة القرآنية التي بين أيدينا تتعرض إلى وقوع القيامة وقيام الساعة حيث يقول تعالى : إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون " إن " و " اللام " في ( لآتية ) وجملة ( لا ريب فيها ) كلها للتأكيد المكرر الذي يستهدف تأكيد المضمون والمعنى المراد ، وهو قيام القيامة . لقد عالجت الرؤية القرآنية قضية القيامة في أكثر من مكان ومورد ، بمختلف الأدلة ووسائل الإقناع ، ذلك نرى بعض الآيات تذكر قيام الساعة والقيامة بدون
--> 1 - النظرة الأولية في الآية قد لا توجب معنى ل " لا النافية " في قوله تعالى : ولا المسئ ولكن تأكيد النفي من ناحية ، وتجلية المقصود من الجملة من ناحية ثانية ، أوجب تكرار النفي ، مضافا إلى أن طول الجملة قد يؤدي إلى نسيان الإنسان للنفي الأول ، الأمر الذي يوجب التكرار . 2 - " ما " في قوله تعالى : قليلا ما تتذكرون زائدة ، وهي للتأكيد .