الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

293

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

صدورهم إلا كبر . " المجادلة " - كما أشرنا سابقا - تعني العناد في الكلام وإطالته بأحاديث غير منطقية ، وإن كانت تشمل أحيانا في معناها الواسع الحق والباطل . أما قوله تعالى : بغير سلطان أتاهم فهي للتأكيد على ما يستفاد من معنى المجادلة حيث تعني " سلطان " الدليل والبرهان الذي يكون سببا لهيمنة الإنسان على خصمه . أما " آتاهم " فهي إشارة إلى الأدلة والبراهين التي أوحى الله بها إلى أنبيائه عليهم السلام ، ولا ريب أن الوحي هو أفضل الطرق وأكثرها اطمئنانا لإثبات الحقائق . أما المقصود ب‍ " آيات الله " التي كانوا يجادلون فيها ، فهي معجزات وآيات القرآن والأحاديث المختصة بالمبدأ والمعاد ، حيث كانوا يعتبرونها سحرا ، أو أنها علامات الجنون ، أو أساطير الأولين ! من ذلك يتبين أن ليس لهؤلاء من دليل حي ومنطقي في المجادلة سوى التعالي والغرور والتكبر عن الانصياع إلى الحق ، لذلك كانوا يرون أن أفكار الآخرين وعقائدهم باطلة وأن عقائدهم وأفكارهم حقة ! تشير كلمة ( إن ) إلى أن السبب الوحيد لعنادهم في هذه الموارد هو الغرور والتكبر ، وإلا كيف يصر الإنسان على كلامه وموقفه دون دليل أو برهان . " الصدور " تشير هنا إلى القلوب ، والمقصود بالقلب هو الفكر والروح ، حيث ورد هذا المعنى مرات عدة في آيات الكتاب المبين . أما كلمة ( كبر ) في الآية فقد فسرها بعض المفسرين بالحسد . وبذلك اعتبر هؤلاء أن سبب مجادلتهم لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو حسدهم له ولمنزلته ومقامه المعنوي الظاهري . لكن " كبر " لا تعني في اللغة المعنى الآنف الذكر ، لكنه يمكن أن يلازمها ، لأن