الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

271

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

إن عبارة ( العزيز ) و ( الغفار ) تشير من جانب إلى مبدأ ( الخوف والرجاء ) ومن جانب ثان تشير إلى إلغاء ألوهية الأصنام والفراعنة ، حيث لا يملكون العزة ولا العفو . ينتقل الخطاب القرآني - على لسان مؤمن آل فرعون - إلى قوله تعالى : لا جرم انما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة ( 1 ) فهذه الأصنام لم ترسل الرسل إلى الناس ليدعوهم إليهم ، وهي لا تملك في الآخرة الحاكمية على أي شئ . إن هذه الموجودات لا تملك الحس والشعور ، إنها أصنام لا تتكلم ولا تضر ولا تنفع ، وإن عليكم أن تعلموا : وإن مردنا إلى الله . فهو سبحانه وتعالى الذي أرسل رسله إلى الناس لأجل هدايتهم ، وهو الذي يثيبهم ويعاقبهم على أعمالهم . ويجب أن تعلموا أيضا : وأن المسرفين هم أصحاب النار . وهكذا كشف مؤمن آل فرعون ما كان يخفي من إيمانه ، وبذلك فقد انكشف هنا خطه الإيماني التوحيدي ، وانفصل علنا عن خط الشرك الملوث الذي يصبغ بآثامه وأوحاله الحكام الفراعنة ومن يلف حولهم ، لقد رفض الرجل دعوتهم ووقف لوحده إزاء باطلهم وانحرافهم . في آخر كلامه - وبتهديد ذي مغزى - يقوله لهم : فستذكرون ما أقول لكم . إن ما قلته لكم ستذكرونه في الدنيا والآخرة ، وستعلمون صدقي عندما تصيبكم المصائب ، وينزل بساحتكم الغضب الإلهي ، لكن سيكون ذلك كله بعد

--> 1 - قلنا سابقا : إن " لا جرم " مركبة من ( لا ) و ( جرم ) على وزن ( حرم ) وهي في الأصل تعني القطع واقتطاف الثمر ، وهي ككلمة مركبة تعني : لا يستطيع أي شئ أن يقطع هذا العمل أو يمنعه . لذلك تستخدم بشكل عام بمعنى ( حتما ) وتأتي أحيانا بمعنى القسم .