الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

264

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وفي هذا الإطار يلاحظ بعض المفسرين أن فرعون خصص لبناء صرحه مساحة واسعة من الأراضي ، ووظف في إقامته خمسين ألفا من العمال والبنائين المهرة ، بالإضافة إلى من انشغل بتهيئة وسائل العمل والتمهيد لتنفيذ المشروع ، وكلما كان البناء يرتفع أكثر كلما ازداد تأثيره في الناس ، وأخذ يجلب إليه الاهتمام والأنظار أكثر ، إذ أصبح الصرح حديث المجالس ، والخبر الأول الذي يتناقله الناس ، وفي مقابل ذلك يتناسون قضية انتصار موسى ( عليه السلام ) على السحرة - ولو مؤقتا - خصوصا مع الأخذ بنظر الاعتبار ذلك الاهتزاز العنيف الذي ألحق بجهاز فرعون وأوساط الناس . ثانيا : استهدف فرعون من خلال تنفيذ مشروع الصرح اشتغال أكبر قطاع من الناس ، وعلى الأخص العاطلين منهم ، لكي يجد هؤلاء في هذا الشغل عزاء - ولو مؤقتا - عن مظالم فرعون وينسون جرائمه وظلمه . ومن ناحية ثانية فإن اشتغال مثل هذا العدد الكثير يؤدي إلى ارتباطهم بخزانة فرعون وأمواله ، وبالتالي ارتباطهم بنظامه وسياساته ! ثالثا : لقد كان من خطة فرعون بعد انتهاء بناء الصرح ، أن يصعد إلى أعلى نقطة فيه ، ويرمق السماء ببصره ، أو يرمي سهما نحو السماء ، ويرجع إلى الناس فيقول لهم : لقد انتهى كل شئ بالنسبة لإله موسى . والآن انصرفوا إلى أعمالكم براحة بال ! ! أما بالنسبة إلى فرعون نفسه ، فقد كان يعلم أنه حتى لو ارتقى الجبال الشامخات التي تتطاول في علوها على صرحه ، فإنه سوف لن يشاهد أي شئ آخر يفترق عما يشاهده وهو يقف على الأرض المستوية يتطلع نحو السماء ! والطريف في الأمر هنا أن فرعون بعد قوله : فاطلع إلى موسى رجع خطوة إلى الوراء فنزل عن يقينه إلى الشك ، حيث قال بعد ذلك : وإني لأظنه كاذبا إذ استخدم تعبير " أظن " !