الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
249
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
أوضح لهم أولا أن عمل موسى ( عليه السلام ) لا يحتاج إلى ردة فعل شديدة كهذه . ثم عليكم أن لا تنسوا أن الرجل يملك " بعض " الأدلة ، ويظهر أنها أدلة معتبرة ، لذا فإن محاربة مثل هذا الرجل تعتبر خطرا واضحا . والموضوع برمته لا يحتاج إلى موقف منكم ، فإذا كان كاذبا فسينال جزاءه من قبل الله ، ولكن يحتمل أن يكون صادقا ، وعندها لن يتركنا الله لحالنا . ولم يكتف " مؤمن آل فرعون " بهذا القدر ، وإنما استمر يحاول معهم بلين وحكمة ، حيث قال لهم كما يحكي ذلك القرآن من أنه قال لهم أن بيدكم حكومة مصر الواسعة مع خيراتها ونعيمها فلا تكفروا بهذه النعم فيصيبكم العذاب الإلهي . يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا . ويحتمل أن يكون غرضه : إنكم اليوم تملكون كل أنواع القوة ، وتستطيعون اتخاذ أي تصميم تريدونه اتجاه موسى ( عليه السلام ) ، ولكن لا تغرنكم هذه القوة ، ولا تنسوا النتائج المحتملة وعواقب الأمور . ويظهر أن هذا الكلام أثر في حاشية فرعون وبطانته ، فقلل من غضبهم وغيظهم ، لكن فرعون لم يسكت ولم يقتنع ، فقطع الكلام بالقول : قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وهو إني أرى من المصلحة قتل موسى ولا حل لهذه المشكلة سوى هذا الحل . ثم إنني : وما أهديكم إلا سبيل الرشاد . وهذه هو حال كافة الطواغيت والجبارين على طول التأريخ ، فهم يعتبرون كلامهم الحق دون غيره ، ولا يسمحون لأحد في إبداء وجهة نظر مخالفة لما يقولون ، فهم يظنون أن عقلهم كامل ، وأن الآخرين لا يملكون علما ولا عقلا . . . وهذا هو منتهى الجهل والحماقة . * * *