الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

243

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

موسى قبل حادث يوم الزينة خشية من تبدل دين أهل مصر ( 1 ) . خلاصة القول : إن هؤلاء يعتقدون أن موسى ( عليه السلام ) مجرد حادث صغير ومحدود ، بينما يؤدي قتله في مثل تلك الظروف إلى أن يتحول إلى تيار . . . تيار كبير يصعب السيطرة عليه . البعض الآخر من المقربين لفرعون ممن لا يميل إليه ، كان يرغب ببقاء موسى ( عليه السلام ) حيا حتى يشغل فكر فرعون دائما ، كي يتمكن هؤلاء من العيش بارتياح بعيدا عن عيون فرعون ، ويفعلون ما شاؤوا من دون رقابته . وهذا الأمر يعبر عن " سليقة " في بلاط السلاطين ، إذ يقوم رجال الحاشية - من هذا النوع - بتحريك بعض أعداء السلطة حتى ينشغل الملك أو السلطان بهم ، وليأمنوا هم من رقابته عليهم ، كي يفعلوا ما يريدون ! وقد استدل فرعون على تصميمه في قتل موسى ( عليه السلام ) بدليلين ، الأول ذو طابع ديني ومعنوي ، والآخر ذو طابع دنيوي ومادي ، فقال الأول ، كما يحكي القرآن ذلك : إني أخاف أن يبدل دينكم . وفي الثاني : أو أن يظهر في الأرض الفساد . فإذا سكت أنا وكففت عن قتله ، فسيظهر دين موسى وينفذ في أعماق قلوب أهل مصر ، وستتبدل عبادة الأصنام التي تحفظ منافعكم ووحدتكم ، وإذا سكت اليوم فإن الزمن كفيل بزيادة أنصار موسى ( عليه السلام ) وأتباعه ، وهو أمر تصعب معه مجاهدته في المستقبل ، إذ ستجر الخصومة والصراع معه إلى إراقة الدماء والفساد وشيوع القلق في البلاد ، لذا فالمصلحة تقتضي أن أقتله أسرع ما يمكن . بالطبع ، لم يكن فرعون يقصد من الدين شيئا سوى عبادته أو عبادة الأصنام ،

--> 1 - ورد في تفسير الميزان عند الحديث عن الآية ( 36 ) من سورة الشعراء : قالوا أرجه وأخاه إن الآية دليل على أن هناك مجموعة منعت فرعون من قتل " موسى " ( عليه السلام ) إلا أن التدقيق في الآيات الخاصة بقصة موسى تظهر أنه لم تكن هناك نية لقتله في ذلك الوقت ، وإنما كان الهدف اختبار النوايا لمعرفة الصادق من الكاذب ، أما التصميم على القتل فقد كان بعد حادثة السحرة وانتصار موسى ( عليه السلام ) عليهم ونفوذ تأثيره في أعماق قلوب أهل مصر ، حيث خشي فرعون العواقب .