الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
142
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
النتيجة الأولى : إحباط الأعمال ، والثانية : الخسران والضياع . وإحباط الأعمال يعني محو آثار ثواب الأعمال السابقة ، وذلك بعد كفره وشركه بالله ، لأن شرط قبول الأعمال هو الاعتقاد بأصل التوحيد ، ولا يقبل أي عمل بدون هذا الاعتقاد . فالشرك هو النار التي تحرق شجرة أعمال الإنسان . والشرك هو الصاعقة التي تهلك كل ما جمعه الإنسان خلال فترة حياته . والشرك هو عاصفة هوجاء تدمر كل أعمال الإنسان وتأخذها معها ، كما ورد في الآية ( 18 ) من سورة إبراهيم مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شئ ذلك هو الضلال البعيد . لذا ورد في حديث عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " إن الله تعالى يحاسب كل خلق إلا من أشرك بالله فإنه لا يحاسب ويؤمر به إلى النار " ( 1 ) . وأما خسارتهم فإنها بسبب بيعهم أكبر ثروة يمتلكونها ، ألا وهي العقل والإدراك والعمر في سوق التجارة الدنيوية ، وشراؤهم الحسرة والألم بثمنها . وهنا يطرح هذا السؤال : هل من الممكن أن يسير الأنبياء العظام في طريق الشرك حتى تخاطبهم الآية الآنفة بهذه اللهجة ؟ الجواب على هذا السؤال واضح ، وهو أن الأنبياء لم يشركوا قط ، مع أنهم يمتلكون القدرة والاختيار الكاملين في هذا الأمر ، ومعصوميتهم لا تعني سلب القدرة والاختيار منهم ، إلا أن علمهم الغزير وارتباطهم المباشر والمستمر مع البارئ عز وجل يمنعهم حتى من التفكير ولو للحظة واحدة بالشرك ، فهل يمكن أن يتناول السم طبيب عالم وحاذق ومطلع بصورة جيدة على تأثير تلك المادة السامة والخطرة ، وهو في حالة طبيعية ؟ !
--> 1 - نور الثقلين ، المجلد 49 ، الصفحة 497 .