الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

123

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

التائبين ، حيث ورد ( كمن ولدته أمه ) . وبهذا الشكل فإن القرآن الكريم يبقي أبواب اللطف الإلهي مفتحة أمام كل الناس مهما كانت ظروفهم ، والمثال على ذلك الآيات المذكورة آنفا التي تدعو المجرمين والمذنبين بلطف للعودة إلى الله ، وتعدهم بإمكانية محو الماضي . ونقرا في رواية وردت عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " ( 1 ) . كما ورد حديث آخر عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) جاء فيه : " التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، والمقيم على الذنب وهو مستغفر منه كالمستهزئ " ( 2 ) . ومن البديهي أن هذه العودة لا يمكن أن تتم بدون قيد أو شرط ، لأن البارئ عز وجل حكيم ولا يفعل شيئا عبثا ، فإذا كانت أبواب رحمته مفتحة أما عباده ، ودعوته إياهم للتوبة مستمرة ، فإن وجود الاستعداد عند العباد أمر لابد منه . ومن جهة أخرى يجب أن تكون عودة الإنسان صادقة ، وأن تحدث انقلابا وتغيرا في داخله وذاته . ومن ناحية ثانية يجب أن يبدأ الإنسان بعد توبته باعمار وبناء أسس الإيمان والعقيدة التي كانت قد دمرت بعواصف الذنوب . ومن ناحية ثالثة ، يجب أن يصلح الإنسان بالأعمال الصالحة عجزه الروحي وسوء خلقه ، فكلما كانت الذنوب السابقة كبيرة ، عليه أن يقوم بأعمال صالحة أكثر وأكبر ، وهذا بالتحديد ما بينه القرآن المجيد في الآيات الثلاث المذكورة أعلاه تحت عنوان ( الإنابة ) و ( التسليم ) و ( اتباع الأحسن ) .

--> 1 - سفينة البحار ، المجلد الأول ، الصفحة 127 ، مادة التوبة . 2 - أصول الكافي ، المجلد 2 ، الصفحة 216 ، باب التوبة ، الحديث 10 .