الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
99
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وتنتقل الآية التالية إلى وصف نوع آخر من العذاب الأليم ، وتشير إلى بعض النقاط الحساسة في هذا الخصوص ، فتقول الآية الكريمة : وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل ( 1 ) . نعم ، فهم بمشاهدة نتائج أعمالهم السيئة ، يغرقون في ندم عميق ، ويصرخون من أعماق قلوبهم ويطلبون المحال ، العودة إلى الدنيا للقيام بالأعمال الصالحة . التعبير ب " صالحا " بصيغة النكرة إشارة إلى أنهم لم يعملوا أقل القليل من العمل الصالح ، ولازم هذا المعنى أن كل هذا العذاب والألم إنما هو لمن لم تكن لهم أية رابطة مع الله سبحانه في حياتهم ، وكانوا غرقى في المعاصي والذنوب ، وعليه فإن القيام بقسم من الأعمال الصالحة أيضا يمكن أن يكون سببا في نجاتهم . التعبير بالفعل المضارع " نعمل " أيضا له ذلك الإشعاع ، ويؤيد هذا المعنى ، وهو تأكيد أيضا على " أننا كنا مستغرقين في الأعمال الطالحة " . قال بعض المفسرين : إن الربط بين وصف " صالحا " واللاحق لها " كنا نعمل " يثير نكتة لطيفة ، وهي أن المعنى هو " إننا كنا نعمل الأعمال التي عملنا بناء على تزيين هوى النفس والشيطان ، وكنا نتوهم أنها أعمال صالحة ، والآن قررنا أن نعود ونعمل أعمالا صالحة في حقيقتها غير التي ارتكبناها " . نعم فالمذنب في بادئ الأمر - وطبق قانون الفطرة السليمة - يشعر ويشخص قباحة أعماله ، ولكنه قليلا قليلا يتطبع على ذلك فتقل في نظره قباحة العمل ، ويتوغل أبعد من ذلك فيرى القبيح جميلا ، كما يقول القرآن الكريم : زين لهم سوء أعمالهم . ( 2 ) وفي مكان آخر يقول تعالى : وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا . ( 3 )
--> 1 - " يصطرخون " من مادة " صرخ " بمعنى الصياح الشديد الذي يطلقه الإنسان من القلب للاستغاثة وطلب النجدة ، للتخلص من الألم أو العذاب أو أي مشكل آخر . 2 - التوبة ، 37 . 3 - الكهف ، 104 .