الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
94
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
و " عدن " بمعنى الاستقرار والثبات ، ومنه سمي المعدن لأنه مستقر الجواهر والمعادن . وعليه فإن " جنات عدن " بمعنى " جنات الخلد والدوام والاستقرار " . على كل حال فإن هذا التعبير يشير إلى أن نعم الجنة العظيمة خالدة وثابتة ، وليست كنعم الدنيا ممزوجة بالقلق الناجم عن زوالها وعدم دوامها ، وأهل الجنة ليست لهم جنة واحدة ، بل جنات متعددة تحت تصرفهم . ثم تشير الآية إلى ثلاثة أنواع من نعم الجنة ، بعضها إشارة إلى جانب مادي وبعضها الآخر إلى جانب معنوي وباطني ، وبعض أيضا يشير إلى عدم وجود أي نوع من المعوقات ، فتقول الآية : يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير . فهؤلاء لم يلتفتوا في هذه الدنيا إلى بريقها وزخرفها ، ولم يجعلوا أنفسهم أسرى لزبرجها ، ولم يكونوا أسرى التفكير باللباس الفاخر ، والله سبحانه وتعالى يعوضهم عن كل ذلك ، فيلبسهم في الآخرة أفخر الثياب . هؤلاء زينوا حياتهم الدنيا بالخيرات ، فزينهم الله سبحانه وتعالى في يوم تجسد الأعمال يوم القيامة بأنواع الزينة . لقد قلنا مرارا بأن الألفاظ التي وضعت لهذا العالم المحدود لا يمكنها أن توضح مفاهيم ومفردات عالم القيامة العظيم ، فلأجل بيان نعم ذلك العالم الآخر نحتاج إلى حروف أخرى وثقافة أخرى وقاموس آخر ، على أية حال ، فلأجل توضيح صورة وإن كانت باهتة عن النعم العظيمة في ذلك العالم لابد لنا أن نستعين بهذه الألفاظ العاجزة . بعد ذكر تلك النعمة المادية ، تنتقل الآية مشيرة إلى نعمة معنوية خاصة فتقول : وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن . فهؤلاء يحمدون الله بعد أن أصبحت تلك النعمة العظيمة من نصيبهم ، وتلاشت عن حياتهم جميع عوامل الغم والحسرة ببركة اللطف الإلهي ، وتبددت سحب الهم