الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
80
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
بخلق الله من جهة ثانية ، ومظهر ذلك الإنفاق من كل ما تفضل به الله تعالى على الإنسان ، من علمه ، من ماله وثروته ونفوذه ، من فكره الخلاق ، من أخلاقه وتجاربه ، من جميع ما وهبه الله . هذا الإنفاق تارة يكون ( سرا ) ، فيكون دليلا على الإخلاص الكامل . وتارة يكون ( علانية ) فيكون تعظيما لشعائر الله ودافعا للآخرين على سلوك هذا الطريق . ومع الالتفات إلى ما ورد في هذه الآية والآية السابقة نستنتج أن العلماء حقا هم الذين يتصفون بالصفات التالية : * قلوبهم مليئة بالخشية والخوف من الله المقترن بتعظيمه تعالى . * ألسنتهم تلهج بذكر الله وتلاوة آياته . * يصلون ويعبدون الله . * ينفقون في السر والعلانية مما عندهم . * وأخيرا ومن حيث الأهداف ، فإن أفق تفكيرهم سام إلى درجة أنهم أخرجوا من قلوبهم هذه الدنيا المادية الزائلة ، ويتأملون ربحا من تجارتهم الوافرة . . الربح مع الله وحده ، لأن اليد التي تمتد إليه لا تخيب أبدا . والجدير بالملاحظة أيضا أن " تبور " من " البوار " وهو فرط الكساد ، ولما كان فرط الكساد يؤدي إلى الفساد كما قيل " كسد حتى فسد " عبر بالبوار عن الهلاك ، وبذا فإن " التجارة الخالية من البوار " تجارة خالية من الكساد والفساد . ورد في حديث رائع أنه جاء رجل إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال : يا رسول الله ، ما لي لا أحب الموت ؟ قال : " ألك مال " قال : نعم . قال : " فقدمه " قال : لا أستطيع . قال : " فإن قلب الرجل مع ماله ، إن قدمه أحب أن يلحق به ، وإن أخره أحب أن يتأخر معه " ( 1 ) . إن هذا الحديث في الحقيقة يعكس روح الآية أعلاه ، لأن الآية تقول إن الذين
--> 1 - مجمع البيان ، ج 4 ، ص 407 .