الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

463

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الدنيا والآخرة ، كما خسرها أولئك الذين ابتعدوا عن نهج الأنبياء . الآية اللاحقة واصلت تناول نفس الموضوع ، ولكن من جانب آخر ، حيث قالت : أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب . هذا الكلام في حقيقته يعد مكملا للبحث السابق ، إذ جاء في الآية السابقة : إنكم لا تمتلكون خزائن الرحمة الإلهية ، كي تمنحوها لمن تنسجم أهواؤه مع أهوائكم ، والآن تقول الآية التالية لها : بعد أن تبين أن هذه الخزائن ليست بيدكم ، وإنما هي تحت تصرف البارئ عز وجل ، إذن فليس أمامكم غير طريق واحد ، وهو أن ترتقوا إلى السماوات لتمنعوا الوحي أن ينزل على رسول الله وإنكم تعرفون أن تحقيق هذا الأمر شئ محال ، وأنتم عاجزون عن تنفيذه . وعلى هذا ، فلا " المقتضي " تحت اختياركم ، ولا القدرة على إيجاد " المانع " ، فماذا يمكنكم فعله في هذا الحال ؟ إذا ، موتوا بغيظكم وحسدكم ، وافعلوا ما شئتم . . وبهذا الشكل فإن الآيتين لا تكرران موضوعا واحدا كما توهمه مجموعة من المفسرين ، بل إن كل واحدة منهما تتناول جانبا من جوانب الموضوع . الآية الأخيرة في بحثنا جاءت بمثابة تحقير لأولئك المغرورين السفهاء ، قال تعالى : جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب ( 1 ) فهؤلاء جنود قلائل مهزومين . . " هنالك " إشارة للبعيد ، وبسبب وجودها في الآية ، فقد اعتبر بعض المفسرين أنها إشارة إلى هزيمة المشركين في معركة بدر ، التي دارت رحاها في منطقة بعيدة بعض الشئ عن مكة المكرمة . واستخدام كلمة ( الأحزاب ) هنا إشارة حسب الظاهر إلى كل المجموعات التي وقفت ضد رسل الله ، والذين أبادهم الباري عز وجل ، ومجتمع مكة المشرك هو

--> 1 - ( ما ) تعد زائدة في هذه العبارة ، إنما جاءت للتحقير والتقليل ، و ( جند ) خبر لمبتدأ محذوف ، و ( مهزوم ) خبر ثان والعبارة في الأصل هي ( هم جند ما مهزوم من الأحزاب ) والبعض يعتقد بعدم وجود محذوف في الجملة و ( جند ) مبتدأ و ( مهزوم ) خبر ، ولكن الرأي الأول أنسب .