الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
449
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الحق ، كما أن عنادهم وعصيانهم - هما أيضا - مانع يحول دون تقبلهم لدعوتك بل الذين كفروا في عزة وشقاق . " العزة " كما قال الراغب في مفرداته ، هي حالة تحول دون هزيمة الإنسان ( حالة الذي لا يقهر ) وهي مشتقة من ( عزاز ) وتعني الأرض الصلبة المتينة التي لا ينفذ الماء خلالها ، وتعطي معنيين ، فأحيانا تعني ( العزة الممدوحة ) المحترمة ، كما في وصف ذات الله الطاهر بالعزيز ، وأحيانا تعني ( العزة بالإثم ) أي الوقوف بوجه الحق والتكبر عن قبول الواقع ، وهذه العزة مذلة في حقيقة الأمر . " شقاق " مشتقة من ( شق ) ، ومعناه واضح ، ثم استعمل في معنى المخالفة ، لأن الاختلاف يسبب في أن تقف كل مجموعة في شق ، أي في جانب . القرآن هنا يعد مسألة العجرفة والتكبر والغرور وطي طريق الانفصال والتفرقة من أسباب تعاسة الكافرين ، نعم هذه الصفات القبيحة والسيئة تعمي عين الإنسان وتصم آذانه ، وتفقده إحساسه ، وكم هو مؤلم أن يكون للإنسان عيون تبصر وآذان تسمع ولكنه يبدو كالأعمى والأصم . فالآية ( 206 ) من سورة البقرة تقول : وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد أي عندما يقال للمنافق : اتق الله ، تأخذه العصبية والغرور واللجاجة ، وتؤدي به إلى التوغل في الذنب والسقوط في نار جهنم وإنها لبئس المكان . ولإيقاظ أولئك المغرورين المغفلين ، يرجع بهم القرآن الكريم إلى ماضي تأريخ البشر ، ليريهم مصير الأمم المغرورة والمتكبرة ، كي يتعظوا ويأخذوا العبر منها وكم أهلكنا من قبلهم من قرن . أي إن أمما كثيرة كانت قبلهم قد أهلكناها ( بسبب تكذيبها الأنبياء ، وإنكارها آيات الله ، وظلمها وارتكابها للذنوب ) وكانت تستغيث بصوت عال عند نزول العذاب عليها ، ولكن ما الفائدة فقد تأخر الوقت ! ولم يبق أمامهم متسع من الوقت