الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

404

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

رحيم لهم ، في حين كانوا يواجهون منطقه الحكيم بالسفسطة والمغالطة ، عدا مجموعة قليلة منهم ، يحتمل أن لا تتعدى الشخصين ( أحدهما يسمى بالعابد والثاني بالعالم ) آمنت برسالته . وبعد فترة طويلة من دعوته إياهم إلى عبادة الله وترك عبادة الأصنام ، يئس يونس من هدايتهم ، وكما جاء في بعض الروايات ، فإن يونس ( عليه السلام ) قرر طبقا لاقتراح الرجل العابد ، مع ملاحظة أوضاع وأحوال قومه الضالين ، قرر الدعاء عليهم ( 1 ) . وبالفعل فقد دعا عليهم ، فنزل عليه الوحي وحدد له وقت حلول العذاب الإلهي بهم ، ومع حلول موعد نزول العذاب ، رحل يونس - بمعيته الرجل العابد - عن قومه وهو غاضب عليهم ، ووصل إلى ساحل البحر ، وشاهد سفينة عند الساحل غاصة بالركاب فطلب منهم السماح له بالصعود إليها . وهذا ما أشارت إليه الآية التالية ، حيث قالت : إذ أبق إلى الفلك المشحون . كلمة " أبق " مشتقة من ( إباق ) والتي تعني فرار العبد من سيده ، إنها لعبارة عجيبة ، إذ تبين أن ترك العمل بالأولى من قبل الأنبياء العظام ذوي المقام الرفيع عند الله ، مهما كان بسيطا فإنه يؤدي إلى أن يتخذ الباري عز وجل موقفا معاتبا ومؤنبا للأنبياء ، كإطلاق كلمة ( الآبق ) على نبيه . ومن دون أي شك فإن نبي الله يونس ( عليه السلام ) ، معصوم عن الخطأ ، ولكن كان الأجدر به أن يتحمل آلاما أخرى من قومه ، وأن يبقى معه حتى اللحظات الأخيرة قبل نزول العذاب ، عسى أن يستيقظوا من غفلتهم ويتوبوا إلى الله سبحانه وتعالى . حقا إنه دعا قومه إلى توحيد الله أربعين عاما - وفق ما ورد في بعض الروايات - ولكن كان من الأجدر به أن يضيف عدة أيام أو عدة ساعات إلى ذلك الوقت ببقائه معهم ، لذلك فعندما ترك قومه وهجرهم شبهه القرآن بالعبد الآبق .

--> 1 - تفسير البرهان ، المجلد 4 ، صفحة 35 .