الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

399

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

حل بهم . بحثنا يبدأ بقوله تعالى : وإن لوطا لمن المرسلين . وبعد هذا البيان الإجمالي يعمد القرآن إلى التفصيل ويبين جوانب من قصة لوط ، حيث قال : تذكر تلك الفترة الزمنية التي أنقذنا فيها لوطا وأهله إذ نجيناه وأهله أجمعين . عدا زوجته العجوز التي جعلناها مع من بقي في العذاب إلا عجوزا في الغابرين ( 1 ) . ثم دمرنا الآخرين . الجمل القصيرة - التي وردت أعلاه - تشير إلى تأريخ قوم لوط الملئ بالحوادث ، والتي ورد شرحها في سور ( هود ) و ( الشعراء ) و ( العنكبوت ) . " لوط " كسائر الأنبياء بدأ دعوته بتوحيد الله ، ثم عمد إلى الجهاد ضد الفساد الموجود في المجتمع المحيط به ، خاصة ذلك الانحراف الخلقي المعروف باللواط ، والذي ظل كوصمة عار لقوم لوط على طول التاريخ . فهذا النبي العظيم عانى المرارة مع قومه ، وبذل كل ما يمتلك من جهد لإصلاح قومه المنحرفين ، ومنعهم من الاستمرار في ممارسة عملهم القبيح ، ولكن جهوده لم تسفر عن شئ . وعندما شاهد أن أفراد قلائل آمنوا به ، قرر إنقاذ نفسه وإنقاذهم من المحيط الفاسد الذي يعيشون فيه . وفي نهاية الأمر فقد لوط الأمل في إصلاح قومه وعمد إلى الدعاء عليهم ، حيث طلب من الله سبحانه وتعالى إنقاذه وعائلته ، فاستجاب الباري عز وجل لدعائه وأنقذه وعائلته مع تلك الصفوة القليلة التي آمنت به ، عدا زوجته العجوز

--> 1 - ( غابر ) من مادة ( غبور ) على وزن ( عبور ) وتعني بقايا الشئ ، فعندما تتحرك مجموعة من مكان ما ويبقى أحد أفرادها هناك يقال له ( غابر ) ولهذا السبب يقال لما يتبقى من التراب ( غبار ) ، ولما تبقى من الحليب في الثدي ( غبرة ) على وزن ( لقمة ) .