الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

383

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الفعل عندما يأتي بصورة مطلقة ومن دون أي قيد أو شرط ، فإنه يعطي معنى عاما ، فبهذا تكون البركة شاملة لكل شئ ، في الحياة ، في الأجيال القادمة ، في التأريخ ، والرسالة ، وفي كل شئ . فكلمة ( بركة ) مشتقة من ( برك ) على وزن ( درك ) وتعني صدر البعير ، وعندما يضع صدره على الأرض يقال ( برك البعير ) . وتدريجيا أعطت هذه الكلمة معنى الثبات وبقاء شئ ما ، ولهذا يطلق على المكان الذي فيه ماء ثابت ومستقر ( بركة ) في حين يقال لما كان خيره باقيا وثابتا مبارك . ومن هنا يتضح أن الآية مورد بحثنا تشير إلى ثبات ودوام النعم الإلهية على إبراهيم وإسحاق وعلى أسرتهم ، وإحدى البركات التي أنعم الله بها على إبراهيم وإسحاق أن جعل كل أنبياء بني إسرائيل من ذرية إسحاق ، في حين أن نبي الإسلام العظيم هو من ذرية إسماعيل . وهذه البركات لا تشمل كل أفراد عائلة إبراهيم وعشيرته ، وإنما تشمل - فقط - المؤمنين والمحسنين منهم ، إذ تقول الآية في آخرها ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين . كلمة ( محسن ) جاءت هنا بمعنى المؤمن والمطيع لله ، وهل يتصور أن هناك إحسان وعمل حسن أرفع من هذا ؟ و ( ظالم ) جاءت هنا بمعنى الكافر والمذنب . وعبارة ( لنفسه ) إشارة إلى الكفر وارتكاب الذنوب يعد أولا ظلم للنفس ، الظلم الواضح والمكشوف . فالآية المذكورة أعلاه تجيب اليهود والنصارى الذين افتخروا بكونهم من أبناء الأنبياء ، وتقول لهم : إن صلة القربى لوحدها ليست مدعاة للافتخار ، إن لم ترافقها