الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

360

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الأول ، أي أن البنيان هو ذلك البناء المكون من أربعة جدران كبيرة . وآيات القرآن الكريم هنا لم تشر إلى دقائق وتفاصيل هذا الحادث الذي ورد في سورة الأنبياء ، وإنما أنهت هذه الحادثة بخلاصة مركزة ولطيفة فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين . ( كيد ) في الأصل تعني الاحتيال ، أكان بطريقة صحيحة أم غلط ، مع أنها غالبا ما تستعمل في موارد مذمومة ، وبما أنها جاءت بحالة النكرة هنا ، فإنها تدل على عظمة الشئ وأهميته ، وهي إشارة إلى المخطط الواسع الذي وضعه طغاة بابل للقضاء على دعوة إبراهيم للناس بقوله وعمله ومحو آثارها . نعم ، لقد وضعهم الله سبحانه وتعالى في أسفل السافلين ، فيما رفع إبراهيم ( عليه السلام ) إلى أعلى عليين ، كما كان أعلى منطقا ، وجعله هو الأعلى في حادثة إشعال النيران ، وأعداءه الأقوياء هم الأخسرين ، فكانت النار عليه بردا وسلاما دون أن تحرق حتى شعرة واحدة من جسد إبراهيم ( عليه السلام ) وخرج سالما من ذلك البحر الجهنمي . فإرادته تقتضي أن ينجي في يوم من الأيام نوحا من " الغرق " ، وفي يوم آخر ينقذ إبراهيم من " الحرق " ، وذلك لكي يوضح أن الماء والنار عبدان مطيعان له سبحانه وتعالى ومستجيبان لأوامره . إبراهيم ( عليه السلام ) الذي نجا بإرادة الله من هذه الحادثة الرهيبة والمؤامرة الخطيرة التي رسمها أعداؤه له ، وخرج مرفوع الرأس منها ، صمم على الهجرة إلى أرض بلاد الشام ، إذ أن رسالته في بابل قد انتهت ، وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين . من البديهات أن الله لا يحويه مكان ، والهجرة التي تتم في سبيله من المجتمع الملوث الفاسد إلى المجتمع الطاهر الصافي ، فإنها هجرة إلى الله . فالهجرة إلى أرض الأنبياء والأولياء ومهبط الوحي الإلهي ، هي هجرة إلى الله ، مثلما يعرف السفر إلى مكة المكرمة بأنه سفر إلى الله ، خاصة وأن هجرة إبراهيم ( عليه السلام )