الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
358
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
فالمعبود يجب أن يكون خالق الإنسان ، وليس صنيعة يده ، من الآن فكروا واعرفوا معبودكم الحقيقي والله خلقكم وما تعملون . فهو خالق الأرض والسماء ، ومالك الوقت والزمان ، ويجب السجود لهذا الخالق وحمده وعبادته . إن هذه الحجة كانت من الوضوح والقوة إلى حد جعلتهم يقفون أمامها مبهوتين وغير قادرين على ردها ودحضها . و ( ما ) في عبارة ما تعملون هي ( ما ) الموصولة وليست ( ما ) المصدرية ، ومنها يراد القول ، إن الله خلقكم وكذلك ما تصنعون ، وعندما يقال : إن الأصنام هي من صنع أو أعمل الإنسان ، فذلك يعني أن الإنسان أعطاها الشكل فقط ، وإلا فالمادة التي تصنع منها الأصنام هي من خلق الله أيضا . صحيح ما يقال من أن هذه السجادة وذلك البيت وتلك السيارة هي من صنع الإنسان ، ولكن المراد ليس أن الإنسان هو الذي خلق المواد الأولية لتلك الأشياء ، وإنما الإنسان صاغ تلك المواد الأولية بشكل معين . أما إذا اعتبرنا ( ما ) مصدرية ، فالعبارة تعني ما يلي : إن الله خلقكم وأعمالكم . وبالطبع فإن المعنى هذا ليس خطأ ، وعلى خلاف ما يظنه البعض ليس فيه ما يدل على الجبر ، لأن الأعمال التي نقوم بها رغم أنها تتم بإرادتنا ، إلا أن إرادة وقدرة التصميم وغيرها من القوى التي تنفذ من خلالها أفعالنا كلها من الله سبحانه وتعالى ، وبهذا الشكل فإن الآية لا تقصد هذا الأمر ، وإنما تقصد الأصنام ، وتقول : إن الله خلقكم أنتم والأصنام التي صنعتموها وصقلتموها . وجمال هذا الحديث يتجسد هنا ، لأن البحث يخص الأصنام ولا يخص أعمال البشر . في الحقيقة إن موضوع هذه الآية يشبه الموضوع الذي ورد في قصة موسى والسحرة والتي تقول : فإذا هي تلقف ما يأفكون ( 1 ) ، فالمقصود هنا الأفعى
--> 1 - الأعراف ، 117 .