الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
352
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
عبدتكم ، إنه غذاء دسم ولذيذ ومتنوع ، ما لكم لا تأكلون ؟ فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون ( 1 ) . ثم أضاف ، لم لا تتكلمون ؟ لم تعجز ألسنتكم عن النطق ؟ ما لكم لا تنطقون . وبهذا استهزء إبراهيم ( عليه السلام ) بكل معتقداتهم الخرافية ، ومن دون أي شك فإنه كان يعرف أنها لا تأكل ولا تتحدث ، وأنها جماد . وأراد من وراء ذلك عرض حادثة تحطيم الأصنام بصورة جميلة ولطيفة . بعد ذلك شمر عن ساعديه ، فأمسك الفأس وانقض على تلك الأصنام بالضرب بكل ما لديه من قوة فراغ عليهم ضربا باليمين . والمراد من ( اليمين ) إما يد الإنسان اليمنى ، والتي ينجز الإنسان بها معظم أعماله ، أو أنها كناية عن القدرة والقوة ، ويمكن أن تجمع بين المعنيين . على أية حال ، فإن إنقضاض إبراهيم ( عليه السلام ) على الأصنام ، حول معبد الأصنام المنظم إلى خربة موحشة ، حيث لم يبق صنم على حالته الأولى ، فالأيدي والأرجل المحطمة تفرقت هنا وهناك داخل المعبد ، وكم كان منظر المعبد بالنسبة لعبدة الأصنام مؤثرا ومؤسفا ومؤلما في نفس الوقت . وبعد انتهائه من تحطيم الأصنام ، غادر إبراهيم - بكل هدوء واطمئنان - معبد الأصنام عائدا إلى بيته ليعد نفسه للحوادث المقبلة ، لأنه كان يعلم أن عمله كان بمثابة انفجار هائل سيهز المدينة برمتها ومملكة بابل بأجمعها ، وسيحدث موجة من الغضب العارم ، الموجة التي سيكون إبراهيم ( عليه السلام ) وحيدا في وسطها . إلا أن له ربا يحميه ، وهذا يكفيه . وفي آخر اليوم عاد عبدة الأصنام إلى مدينتهم ، واتجهوا فورا إلى معبدهم ، فشاهدوا مشهدا رهيبا وغامضا ، ومن شده رهبة المشهد تجمد البعض في مكانه ،
--> 1 - ( راغ ) من مادة ( روغ ) وتعني التوجه والتمايل بشكل سري ومخفي أو بشكل مؤامرة وتخريب .