الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

338

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

المؤمنين الذين كانوا في مكة - آنذاك - محاصرين من قبل العدو من كل الجوانب . ثم يضيف القرآن المجيد أن ضلالتهم لم تكن بسبب افتقادهم القائد وعدم موعظتهم ولقد أرسلنا فيهم منذرين . إذا أننا أرسلنا إليهم أنبياء لإنذارهم من خطر الشرك بالله والكفر به ، والظلم والاعتداء ، وتقليد الآخرين بصورة عمياء ، ولاطلاعهم على مسؤولياتهم . صحيح أن الرسل يحملون في يد رسالة الإنذار ، وفي الأخرى رسالة البشارة ، لكن الإنذار يشغل الجزء الأكبر من مواعظهم ونصائحهم ، خاصة بالنسبة لمثل تلك الأمم الضالة والعاصية ، ولهذا أكد عليه هنا . ثم يقول في عبارة قصيرة ذات معان عميقة فانظر كيف كان عاقبة المنذرين . المخاطب في لفظة ( فانظر ) من الممكن أن يكون رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أو أي شخص عاقل يقظ . وفي الحقيقة إن هذه الآية المباركة تشير إلى نهاية أقوام سنستعرض أحوالها وأوضاعها بصورة مفصلة في الآيات القادمة . أما آخر آية في بحثنا فإنها تستثني جماعة من العذاب الإلهي إلا عباد الله المخلصين . الملاحظ أن هذه الآية تشير إلى عاقبة هذه الأمم ، وتدعو إلى التمعن في العذاب الأليم الذي ابتلوا به ، والذي أهلكهم وأبادهم جميعا ما عدا عباد الله المؤمنين والمخلصين الذين نجوا من هذا العذاب ( 1 ) . وجدير بالذكر أن كلمة ( المخلصين ) - بفتح اللام - كررت خمس مرات ، وهذا بيان لعلو منزلتهم ومرتبتهم ، وكما أشرنا سابقا فإن عباد الله المخلصين هم الصفوة التي تسلحت بالعلم والإيمان ، وانتصرت على النفس بعد مجاهدتها ، وهم الذين

--> 1 - هذه الجملة استثناء من محذوف يفهم من المذكور ، تقديره هكذا : فانظر كيف كان عاقبة المنذرين فإنا أهلكناهم جميعا إلا عباد الله المخلصين .