الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

30

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

" حسرة " على تضييع نعمة الهداية . " حسرة " على تضييع جوهر الإنسانية ، " حسرة " على تضييع حاسة التشخيص إلى حد رؤية القبيح جميلا ، وأخيرا " حسرة " على الوقوع في نار الغضب والقهر الإلهي . ولكن لماذا لا ينبغي أن تتحسر عليهم ؟ ! ذلك لأجل إن الله عليم بما يصنعون . واضح من نبرة الآية شدة تحرق الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على الضالين والمنحرفين ، وكذلك هي حال القائد الإلهي المخلص يتألم لعدم تقبل الناس الحق وتسليمهم للباطل ، وضربهم بكل أسباب السعادة عرض الجدار ، إلى حد كأن روحه تريد أن تفارق بدنه . واستنادا إلى البحوث التي سبقت حول الهداية والضلالة والإيمان والكفر ، تنتقل الآية التالية إلى بحث المبدأ والمعاد بعبارات مضغوطة ، وتقرن آيات المبدأ بإثبات المعاد بدليل واحد ملفت للنظر ، تقول الآية الكريمة : والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا ( 1 ) فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور . نظام دقيق يتحكم في حركة الرياح ، ثم في حركة السحاب ، ثم في نزول قطرات المطر الباعثة للحياة ، ثم في حياة الأرض الميتة ، وهو أحسن دليل على أن يد القدرة الحكيمة هي من وراء ذلك النظام تقوم على تدبير أموره . أولا ، تؤمر الرياح الحارة بالتحرك من المناطق الإستوائية إلى المناطق الباردة ، وفي مسيرها تحمل معها بخار الماء من البحار وتطلقه في السماء ، بعدئذ تتحرك بجريانات منظمة للبرد القطبي الذي يعاكس دوما اتجاه الحركة الأول ، وتؤمر

--> 1 - ذكر المفسرون وجوها مختلفة لتفسير ظاهرة التنويع في الأفعال والضمائر في الجملة ، ف‍ " أرسل " فعل ماض في حين " فتثير " فعل مضارع ، والضمير في الأول غائب بينما في " فسقناه " متكلم ، وقد أشحنا عن ذكرها لما بدا من عدم دقتها ، ويمكن أن يكون ذلك للتفنن في البيان والتنويع في الحديث .