الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

257

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

جانب نفس " اللبن " القديم ومن جانب آخر " مثله " " مادته هي نفس المادة والصورة مثل الصورة السابقة " " دقق النظر " ( 1 ) . الآية اللاحقة تأكيد على ما ورد في الآيات السابقة ، وتأكيد على حقيقة أن أي خلق وإيجاد بالنسبة لله سبحانه وتعالى وقدرته سهل وبسيط ، وخلق السماوات العظيمة والكرة الأرضية يعادل في سهولته إيجاد حشرة صغيرة ، فكلاهما بالنسبة له تعالى أمر هين بسيط ، يقول تعالى : إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ، فكل شئ مرتبط بأمره وإشارته فقط ، وذات بهذه القدرة كيف يشك في تمكنها في إحياء الموتى ؟ ! وبديهي أن الأمر الإلهي هنا ليس أمرا لفظيا ، كما أن جملة " كن " ليست جملة يبينها الله سبحانه وتعالى بصورة لفظ ، لأنه تعالى لا يحتاج إلى تلك الألفاظ ، بل المقصود هو مجرد إرادته لإيجاد وإبداع شئ ، وإنما استخدم التعبير ب‍ " كن " لأنه ليس هناك تعبير أقصر وأصغر وأسرع يمكن تصوره في التعبير عن تلك الحقيقة . نعم فإرادته لإيجاد شئ ووجود هذا الشئ هي عملية واحدة . وبتعبير آخر : فإن الله سبحانه وتعالى ما إن يرد شيئا إلا تحقق فورا ، وليس بين إرادته ووجود ذلك الشئ أية فاصلة ، وعليه فإن " أمره " و " قوله " وجملة " كن " كلها توضيح لمسألة الخلق والإيجاد . وكما ذكرنا فإن الأمر ليس لفظيا أو قوليا ، بل كلها توضيح للتحقق السريع بوجود كل ما أراده سبحانه وتعالى . وببيان أوضح ، ان أفعال الله سبحانه وتعالى تمر بمرحلتين لا ثالث لهما ، مرحلة

--> 1 - بعض المفسرين أعادوا الضمير في " مثلهم " على السماوات والأرض ، وقالوا بأن استعمال ضمير الجمع العاقل لوجود الموجودات العاقلة في الأرض والسماء كثير . البعض الآخر استنتج من استخدام كلمة " مثلهم " عدم ضرورة عودة عين الجسم بمواده التي كان يتشكل منها في الدنيا ، لأن شخصية الإنسان تتعلق بروحه ، وهذه الروح بأي مادة تعلقت تكون مثل الإنسان . ولكن يجب الالتفات إلى أن الكلام لا ينسجم مع ظاهر آيات القرآن الكريم - حتى أنه لا ينسجم مع ظاهر الآيات مورد البحث - لأن القرآن الكريم يقول بصراحة في هذه الآيات : إنه يخلق نفس تلك العظام المتفسخة من جديد ويلبسها ثوب الحياة . " تأمل ! ! " .