الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
231
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ومعانيه وفصاحته وبلاغته ، وقد كانت جاذبية القرآن الكريم الخاصة قد أثرت حتى في نفوس الكفار الذين كانوا أحيانا يأتون إلى جوار منزل النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بشكل خفي ليلا لكي يستمعوا إلى تلاوته للقرآن في عمق الليل . وكم من الأشخاص الذين تولعوا وعشقوا الإسلام لمجرد سماعهم القرآن الكريم وأعلنوا إسلامهم في نفس المجلس الذي استمعوا فيه إلى بعض آياته . وهنا حاول الكفار من أجل تفسير هذه الظاهرة العظيمة ، ولغرض استغفال الناس وصرف أنظارهم من كون ذلك الكلام وحيا إلهيا ، فأشاعوا تهمة الشعر في كل مكان ، والتي كانت بحد ذاتها تمثل اعترافا ضمنيا بتميز كلام القرآن الكريم . وأما لماذا لا يليق بالرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يكون شاعرا ، فلأن طبيعة الشعر تختلف تماما عن الوحي الإلهي ، للأسباب التالية : 1 - إن أساس الشعر - عادة - هو الخيال والوهم ، فالشاعر غالبا ما يحلق بأجنحة الخيال ، والحال أن الوحي يستمد وجوده من مبدأ الوجود ويدور حول محور الحقيقة . 2 - الشعر يفيض من العواطف الإنسانية المتغيرة ، وهي في حال تغير وتبدل مستمرين ، أما الوحي الإلهي فمرآة الحقائق الكونية الثابتة . 3 - لطافة الشعر تنبع في الغالب من الإغراق في التمثيل والتشبيه والمبالغة ، إلى درجة أن قيل " أحسن الشعر أكذبه " ، أما الوحي فليس إلا الصدق . 4 - الشاعر في أغلب الموارد وجريا وراء التزويق اللفظي يكون مجبرا على السعي وراء الألفاظ ، مما يضيع الكثير من الحقائق في الأثناء . 5 - وأخيرا يقول أحد المفسرين : إن الشعر مجموعة من الأشواق التي تحلق منطلقة من الأرض باتجاه السماء ، بينما الوحي حقائق نازلة من السماء إلى الأرض ، وهذان الاتجاهان واضح تفاوتهما . وهنا يجب أن لا ننسى تقدير مقام أولئك الشعراء الذين يسلكون هذا الطريق