الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
219
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
حيث يقول الباري عز وجل : أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار . وعلى كل حال ، فظاهر الآية هو التمييز في العرض بين المجرمين والمؤمنين ، وإن كان بعض المفسرين قد احتمل احتمالات أخرى من جملتها : تفريق صفوف المجرمين أنفسهم إلى مجموعات فيما بينهم ، أو انفصال المجرمين عن شفعائهم ومعبوداتهم ، أو انفصال المجرمين كل واحد عن الآخر ، بحيث يكون ذلك العذاب الناتج عن الفراق مضافا على عذاب الحريق في جهنم . ولكن شمولية الخطاب لجميع المجرمين ، ومحتوى جملة " وامتازوا " تقوي المعنى الأول الذي أشرنا إليه . الآية التالية تشير إلى لوم الله تعالى وتوبيخه المجرمين في يوم القيامة قائلا : ألم أعهد إليكم بابني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين . إن هذا العهد الإلهي أخذ على الإنسان من طرق مختلفة ، وكرر على مسمعه مرات ومرات : يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يريكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ( 1 ) جرى هذا التحذير وبشكل متكرر على لسان الأنبياء والرسل : ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين ( 2 ) وكذلك في الآية ( 168 ) من سورة البقرة نقرأ : ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين . ومن جانب آخر فإن هذا العهد اخذ على الإنسان في عالم التكوين ، وبلسان إعطاء العقل له ، إذ أن الدلائل العقلية تشير بشكل واضح إلى أن على الإنسان أن
--> 1 - الأعراف ، 27 . 2 - الزخرف ، 62 .