الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

204

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

كانا بلا حكمة . غافلين عن أن الدنيا إنما هي دار امتحان وابتلاء ، والله سبحانه وتعالى إنما يمتحن البعض بالفقر كما يمتحن البعض الآخر بالغنى والثروة ، وربما يضع الله الإنسان وفي وقتين مختلفين في بوتقة الامتحان الغنى والفقر ، وينظر هل يؤدي الأمانة حال فقره ويتمتع بمناعة الطبع ويلج مراتب الشكر اللائقة ، أم أنه يطأ كل ذلك بقدمه ويمر ؟ وفي حال الغنى هل ينفق مما تفضل الله به عليه ، أم لا ؟ ورغم أن البعض قد حصر الآية من حيث التطبيق في مجموعة خاصة كاليهود ، أو المشركين في مكة ، أو جميع الملاحدة الذين أنكروا الأديان الإلهية ، ولكن يبدو أن للآية مفهوما عاما يمكن أن تكون له مصاديق في كل عصر وزمان ، وإن كان مصداقها حين نزولها هم اليهود أو المشركون فتلك ذريعة عامة يتشبثون بها على مر العصور ، وهي قولهم : إذا كان الله هو الرازق إذا لماذا تريدون منا أن نعطي الفقراء من أموالنا ؟ وإذا كان الله يريد أن يرى هؤلاء محرومين فلماذا تريدون منا إغناء من أراد الله حرمانه ؟ غافلين عن أن نظام التكوين قد يوجب شيئا ، ويوجب نظام التشريع شيئا غيره . فنظام التكوين - بإرادة الله - أوجب أن تكون الأرض بجميع مواهبها وعطاياها مسخرة للبشر ، وأن يعطى البشر حرية انتخاب الأعمال لطي طريق تكاملهم ، وفي نفس الوقت خلق الغرائز التي تتنازع الإنسان من كل جانب . ونظام التشريع أوجب قوانين خاصة للسيطرة على الغرائز وتهذيب النفوس ، وتربية الإنسان عن طريق الإيثار والتضحية والتسامح والإنفاق ، وذلك الإنسان الذي لديه الأهلية والاستعداد لأن يكون خليفة الله في الأرض ، إنما يبلغ ذلك المقام الرفيع من هذا الطريق ، فبالزكاة تطهر النفوس ، وبالإنفاق ينتزع البخل من القلوب ، ويتحقق التكافؤ ، وتقل الفواصل الطبقية التي تفرز آلاف العلل والمفاسد في المجتمعات . وذلك تماما كما يقول شخص : لماذا ندرس ؟ أو لماذا نعلم غيرنا ؟ فلو شاء الله