الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
188
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
لذا فإن الآية التالية تتحدث عن حركة القمر ومنازله التي تؤدي إلى تنظيم أيام الشهر ، وذلك لأجل تكميل البحث السابق ، فتقول الآية : والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم . المقصود ب ( المنازل ) تلك المستويات الثمانية والعشرون التي يطويها القمر قبل الدخول في " المحاق " والظلام المطلق . لأن القمر يمكن رؤيته في السماء إلى اليوم الثامن والعشرين ، ولكنه يكون في ذلك اليوم هلالا ضعيفا مائلا لونه إلى الاصفرار ، ويكون نوره قليلا وشعاعه ضعيفا جدا ، وفي الليلتين الباقيتين من الثلاثين يوما تنعدم رؤيته تماما ويقال : إنه في دور ( المحاق ) ، ذلك إذا كان الشهر ثلاثين يوما ، أما إذا كان تسعة وعشرين يوما ، فإن نفس هذا الترتيب سيبدأ من الليلة السابعة والعشرين ليدخل بعدها القمر في ( المحاق ) . تلك المنازل محسوبة بدقة كاملة ، بحيث أن المنجمين منذ مئات السنين يستطيعون أن يتوقعوا تلك المنازل ضمن حساباتهم الدقيقة . هذا النظام العجيب ينظم حياة الإنسان من جهة ، ومن جهة أخرى فهو تقويم سماوي طبيعي لا يحتاج إلى تعلم القراءة والكتابة لمتابعته . بحيث أن أي إنسان يستطيع بقليل من الدقة والدراية في أوضاع القمر خلال الليالي المختلفة . . يستطيع بنظرة واحدة أن يحدد بدقة أو بشكل تقريبي أية ليلة هو فيها . ففي الليلة الأولى يظهر الهلال الضعيف وطرفاه إلى الأعلى ، ويزداد حجمه ليلة بعد ليلة حتى الليلة السابعة حيث تكتمل نصف دائرة القمر ، ثم تستمر الزيادة حتى تكتمل الدائرة الكاملة للقمر في الليلة الرابعة عشرة ويسمى حينئذ " بدرا " . ثم يبدأ بالتناقص تدريجيا حتى الليلة الثامنة والعشرين حيث يصبح هلالا باهتا يشير طرفاه إلى الأسفل . نعم ، فإن النظم يشكل أساس حياة الإنسان ، والنظم بدون التعيين الدقيق للزمن ليس ممكنا ، لذا فإن الله سبحانه وتعالى قد وضع لنا هذا التقويم الدقيق للشهور