الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
176
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
احتمل المفسرون عدة وجوه : الأول : أنه يعود على " أصحاب القرية " الذين تحدثت الآيات السابقة حولهم . والثاني : أنه يعود على " أهل مكة " الذين نزلت هذه الآيات لتنبيههم . ولكن يستدل من الآية السابقة يا حسرة على العباد . . . على أن المقصود هو جميع البشر ، إذ أن كلمة " العباد " في الآية المذكورة تشمل جميع البشر على طول التاريخ ، الذين ما إن جاءهم الأنبياء حتى هبوا لمخالفتهم وتكذيبهم والاستهزاء بهم ، وعلى كل حال فهي دعوة لجميع البشر بأن يتأملوا في تأريخ القدماء ، ويعتبروا من آثارهم التي خلفوها ، بفتح قلوبهم وبصائرهم . في آخر الآية يضيف تعالى : أنهم إليهم لا يرجعون ( 1 ) . أي أن المصيبة الكبرى في استحالة رجوعهم إلى هذه الدنيا لجبران ما فاتهم وتبديل ذنوبهم حسنات ، لأنهم دمروا كل الجسور خلفهم ، فلم يبق لهم سبيل للرجوع أبدا . هذا التفسير يشبه بالضبط ما قاله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) حينما تحدث في أخذ العبرة من الموتى فقال : " لا عن قبيح يستطيعون انتقالا ولا في حسن يستطيعون ازديادا " . ( 2 ) وتضيف الآية التالية وإن كل لما جميع لدينا محضرون ( 3 ) . أي أن المسألة لا تنتهي بهلاكهم وعدم استطاعتهم العودة إلى هذه الدنيا ، كلا فان الموت في الحقيقة بداية الشوط وليس نهايته ، فعاجلا سيحضر الجميع في
--> 1 - هذه الجملة بدل عن " كم أهلكنا " والتقدير " ألم يروا أنهم إليهم لا يرجعون " البعض احتمل أيضا أن الجملة حالية ( حال الهالكين ) . 2 - نهج البلاغة ، خطبة 188 . 3 - المعروف بين المفسرين حول تركيب هذه الآية : " إن " نافية . والبعض قال : إنها مخففة لذا فإنها لا تنصب ما بعدها ، و " لما " بمعنى " إلا " ، بلحاظ أن ذلك ورد في كلام العرب ، و ( جميع ) بمعنى " مجموع " خبر " كل " ( تنوين كل ) بدل عن مضاف إليه محذوف تقديره " هم " والأصل " كلهم " ) و " محضرون " إما خبر بعد خبر ، أو صفة ل " جميع " وعلى ذلك تكون الجملة في التقدير هكذا " وما كلهم إلا مجموعون يوم القيامة محضرون لدينا " .