الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
151
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
بعد ذلك العرض الإجمالي العام ، تنتقل الآيات إلى تفصيل الأحداث التي جرت فتقول : إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون ( 1 ) . أما من هم هؤلاء الرسل ؟ هناك أخذ ورد بين المفسرين ، بعضهم قال : إن أسماء الاثنين " شمعون " و " يوحنا " والثالث " بولس " ، وبعضهم ذكر أسماء أخرى لهم . وكذلك هناك أخذ ورد في أنهم رسل الله تعالى ، أم أنهم رسل المسيح ( عليه السلام ) ( ولا منافاة مع قوله تعالى : إذ أرسلنا إذ أن رسل المسيح رسله تعالى أيضا ) ، مع أن ظاهر الآيات أعلاه ينسجم معه التفسير الأول ، وإن كان لا فرق بالنسبة إلى النتيجة التي يريد أن يخلص إليها القرآن الكريم . الآن لننظر ماذا كان رد فعل هؤلاء القوم الضالين قبال دعوة الرسل ، القرآن الكريم يقول : إنهم تعللوا بنفس الأعذار الواهية التي يتذرع بها الكثير من الكفار دائما في مواجهة الأنبياء قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شئ إن أنتم إلا تكذبون . فإذا كان مقررا أن يأتي رسول من قبل الله سبحانه ، فيجب أن يكون ملكا مقربا وليس إنسانا مثلنا . هذه هي الذريعة التي تذرعوا بها لتكذيب الرسل وإنكار نزول التشريعات الإلهية ، والمحتمل أنهم يعلمون بأن جميع الأنبياء على مدى التاريخ كانوا من نسل آدم ، من جملتهم إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) ، الذي عرف برسالته ، ومن المسلم أنه كان إنسانا ، وناهيك عن أنه هل يمكن لغير الإنسان أن يدرك حاجات الإنسان ومشكلاته وآلامه ؟ وثم لماذا أكدت الآية أيضا على صفة " الرحمانية " لله ؟ لعل ذلك لأن الله سبحانه وتعالى ضمن نقله هذه الصفة في كلامهم يشعر بأن الجواب كامن في كلامهم ، إذ أن
--> 1 - بعض المفسرين قالوا بأن كلمة " إذ " هنا بدل عن " أصحاب القرية " ، وذهب آخرون بأنها متعلق لفعل محذوف تقديره " أذكر " .