الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

132

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ومن جانب آخر فإن وصف الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأنه على صراط مستقيم ، بمعنى أن محتوى دعوته يتضح من سبيله القويم ، وماضيه أيضا دليل على أنه لم يسلك في حياته سوى الطريق المستقيم . وقد أشرنا في البحوث التي أوردناها حول أدلة حقانية الرسل ، إلى أن أحد أهم الطرق لإدراك حقانية الرسل ، هو التحقق والاطلاع على محتوى دعواتهم بشكل دقيق ، الأمر الذي يؤكد دائما أنها متوافقة ومنسجمة مع الفطرة والعقل والوجدان ، وقابلة للإدراك والتعقل البشري ، إضافة إلى أن تأريخ حياة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يدلل على أنه رجل أمانة وصدق ، وليس رجل كذب وتزوير . . هذه الأمور قرائن حية على كونه رسول الله ، والآيات أعلاه في الحقيقة تشير إلى كلا المطلبين ، وعليه فإن القسم والدعوى أعلاه لم يكونا بلا سبب أبدا . ناهيك عن أنه من حيث أدب المناظرة ، فإنه لأجل النفوذ في قلوب المنكرين والمعاندين يجب أن تكون العبارات في طرحها أكثر إحكاما وحسما ومصحوبة بتأكيد أقوى ، كيما تستطيع التأثير في هؤلاء . يبقى سؤال : وهو لماذا كان المخاطب في هذه الجملة شخص الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وليس المشركين أو عموم الناس ؟ الجواب هو التأكيد على أنك يا أيها النبي على الحق وعلى الصراط المستقيم ، سواء إستجاب هؤلاء أو لم يستجيبوا ، لذا فإن عليك الاجتهاد في تبليغ رسالتك العظيمة ، ولا تعر المخالفين أدنى اهتمام . الآية التالية تشرح الهدف الأصلي لنزول القرآن كما يلي ولتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون ( 1 ) أي إنه لم يأت نذير لآبائهم .

--> 1 - أعطى المفسرون احتمالات مختلفة حول كون " ما " نافية أو غير ذلك ، أغلبهم قالوا بأنها " نافية " ، وقد اعتمدنا ذلك نحن في تفسيرنا ، أولا : لأن جملة " فهم غافلون " دليل على ذلك المعنى ، فعدم وجود المنذر سبب للغفلة . الآية الثالثة من سورة السجدة - أيضا - شاهد على ذلك ، حيث يقول سبحانه وتعالى : لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون . وقال بعضهم بأن " ما " هنا موصولة ، بحيث يكون معنى الجملة " لتنذر قوما بالذي أنذر آباؤهم " . وبعض احتملوا أن " ما " مصدرية ، وعليه يكون معنى الجملة " لتنذر قوما بنفس الإنذار الذي كان لآبائهم " ، ولكن يبدو أن كلا الاحتمالين ضعيف .