الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
120
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
في مصيرهم وتهذيب أخلاقهم ما ترك على ظهرها من دابة . نعم لو أراد الله مؤاخذتهم على ذنوبهم لأنزل عليهم عقوبات متتالية ، صواعق ، وزلازل ، وطوفانات ، فيدمر المجرمين ولا يبقى أثرا للحياة على هذه الأرض . ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ويعطيهم فرصة للتوبة وإصلاح النفس . هذا الحلم والإمهال الإلهي له أبعاد وحسابات خاصة ، فهو إمهال إلى أن يحل أجلهم فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ( 1 ) فإنه تعالى يرى أعمالهم ومطلع على نياتهم . هنا يطرح سؤالان ، جوابهما يتضح مما ذكرناه أعلاه : الأول : هل أن هذا الحكم العام ما ترك على ظهرها من دابة يشمل حتى الأنبياء والأولياء والصالحين أيضا ؟ الجواب واضح ، لأن المعني بأمثال هذا الحكم هم الأغلبية والأكثرية منهم ، والرسل والأئمة والصلحاء الذين هم أقلية خارجون عن ذلك الحكم ، والخلاصة أن كل حكم له استثناءات ، والأنبياء والصالحون مستثنون من هذا الحكم . تماما مثلما نقول : إن أهل الدنيا غافلون وحريصون ومغرورون ، والمقصود الأكثرية منهم ، في الآية ( 41 ) من سورة الروم نقرأ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون . فبديهي أن الفساد ليس نتيجة لأعمال جميع البشر ، بل هو نتيجة لأعمال أكثريتهم . وكذلك فإن الآية ( 32 ) من نفس هذه السورة ، التي قسمت الناس إلى ثلاث مجموعات " ظالم " و " مقتصد " و " سابق بالخيرات " شاهد آخر على هذا المعنى .
--> 1 - جملة إذا جاء أجلهم جملة شرطية ، وجزاؤها يقع في تقدير جواب الشرط هكذا " فإذا جاء أجلهم يجازى كل واحد بما عمل " ، وعليه فإن جملة " فإن الله " من قبيل " علة الجزاء " وهي تقوم مقام المعلول المحذوف . ويحتمل كذلك أن الجزاء هو لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون كما ورد في آيات أخرى من القرآن الكريم كالآية 61 من سورة النحل ، وعليه فإن جملة " إن الله كان بعباده بصيرا " إشارة إلى أن الله يعرفهم جميعا ، ويعلم أيا منهم أبلغ أجله لكي يأخذه بقدرته تعالى .