الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
113
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
لنكونن أهدى من إحدى الأمم " ( 1 ) . فلما أشرقت شمس الإسلام من أفق بلادهم ، وجاءهم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالكتاب السماوي ، رفضوا ، بل كذبوا ، وحاربوا ، ومارسوا أنواع المكر والخديعة . فنزلت الآيات أعلاه تلومهم وتوبخهم على ادعاءاتهم الفارغة . 2 التفسير 3 استكبارهم ومكرهم سبب شقائهم : تواصل هذه الآيات الحديث عن المشركين ومصيرهم في الدنيا والآخرة . الآية الأولى تقول : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم ( 2 ) . " أيمان " جمع " يمين " بمعنى القسم ، وفي الأصل فإن معنى اليمين هو اليد اليمنى ، واليمين في الحلف مستعار منها اعتبارا بما يفعله المعاهد والمحالف وغيره من المصافحة باليمين عندها . " جهد " : من " الجهاد " بمعنى السعي والمشقة ، وبذا يكون معنى جهد أيمانهم حلفوا واجتهدوا في الحلف على أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم . نعم ، فعندما طالعوا صفحات التأريخ ، واطلعوا على عدم وفاء وعدم شكر تلك الأقوام وجناياتهم بالنسبة إلى أنبيائهم وخصوصا اليهود ، تعجبوا كثيرا وادعوا لأنفسهم الادعاءات وتفاخروا على هؤلاء بأن يكون حالهم أفضل منهم . ولكن بمجرد أن واجهوا محك التجربة ، ودخلوا كورة الامتحان المشتعلة ،
--> 1 - أغلب التفاسير . 2 - لأن " إحدى " جاءت بصيغة المفرد ، فمعنى الآية " أنهم سيكونون أكثر اهتداءا من واحدة من الأمم " وقد تكون الإشارة إلى اليهود ( لأن صيغة المفرد في الجملة المثبتة ليس فيها معنى العموم ) يبدو ذلك للوهلة الأولى ، ولكن كما أشار بعض المفسرين فإن قرائن الحال تشير إلى أن المقصود من الآية العموم ، لأن الحديث في مقام المبالغة والتأكيد ، وتشير إلى ادعائهم بأنه في حال بعثة رسول إليهم فإنهم سيكونون أهدى من جميع الأمم السابقة .