الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
108
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وتنتقل الآية التي بعدها إلى الحديث عن حاكمية الله سبحانه وتعالى على مجموعة السماوات والأرض ، وفي الحقيقة فإنها تنتقل إلى إثبات توحيد الخالقية والربوبية بعد نفي شركة أي من المعبودات الوهمية في عالم الوجود فتقول : إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ( 1 ) . فليس بدء الخلق - فقط - مرتبطا بالله ، فإن حفظ وتدبير الخلق مرتبط بقدرته أيضا ، بل إن الخلق له في كل لحظة خلق جديد ، وفيض الوجود يغمر الخلق لحظة بعد أخرى من مبدأ الفيض . ولو قطعت الرابطة بين الخلق وبين ذلك المبدأ العظيم الفياض ، فليس إلا العدم والفناء . صحيح أن الآية تؤكد على مسألة حفظ نظام الوجود الموزون ، ولكن - كما ثبت من الأبحاث الفلسفية - فإن الممكنات محتاجة في بقائها إلى موجدها كإحتياجها إليه في بدء إيجادها ، وبذلك فإن حفظ النظام ليس سوى إدامة الخلق الجديد والفيض الإلهي . الملفت للنظر أن الأجرام والكرات السماوية ، مع كونها غير مقيدة بشئ آخر ، إلا أنها لم تبرح أماكنها أو مداراتها التي حددت لها منذ ملايين السنين ، دون أن تنحرف عن ذلك قيد أنملة ، كما نلاحظ ذلك في المجموعة الشمسية ، فالأرض التي نعيش عليها تواصل دورانها حول الشمس منذ ملايين بل مليارات السنين في مسيرها المحدد والمحسوب بدقة والذي يتحقق من التوازن بين القوى الدافعة والجاذبة ، كما أنها تدور في نفس الوقت حول نفسها ، ذلك بأمر الله . وللتأكيد تضيف الآية قائلة : ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده . فلا الأصنام التي صنعتموها ولا الملائكة ، ولا غير ذلك ، لا أحد غير الله قادر على ذلك . وفي ختام الآية - لكي يبقى طريق الأوبة والإنابة أمام المشركين الضالين
--> 1 - جملة " أن تزولا " تقديرها " لئلا تزولا " أو " كراهة أن تزولا " .