الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

81

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

تفسير هذه الآية تؤكد هذه الحقيقة ، ومن جملتها ما ورد في حديث : " إن مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله ، وقرأ هذه الآية " ( 1 ) . وجاء في رواية أخرى وردت في نهج البلاغة : أن عليا ( عليه السلام ) كان يوما يخبر بحوادث المستقبل ، فقال له أحد أصحابه : يا أمير المؤمنين ، أتتحدث عن الغيب وتعلم به ؟ فتبسم الإمام ، وقال له : " يا أخا كلب ( لأن الرجل كان من بني كلب ) ، ليس هو بعلم غيب ، وإنما هو تعلم من ذي علم ، وإنما علم الغيب علم الساعة وما عدده الله سبحانه بقوله : إن الله عنده علم الساعة . . . فيعلم الله سبحانه ما في الأرحام ، من ذكر أو أنثى ، وقبيح أو جميل ، وسخي أو بخيل ، وشقي أو سعيد ، ومن يكون في النار حطبا ، وفي الجنان للنبيين مرافقا ، فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلا الله ، وما سوى ذلك فعلم علمه الله نبيه فعلمنيه ودعا لي بأن يعيه صدري وتضطم عليه جوانحي " ( 2 ) . ويظهر من هذه الروايات جليا أن المراد من عدم علم الناس بهذه الأمور ، جهلهم بكل خصوصياتها وجزئياتها ، فمثلا : إذا وضعت تحت تصرف الإنسان يوما ما وسائل معينة - ولم يحل ذلك اليوم إلى الآن - بحيث يطلع تماما على كون الجنين ذكرا أو أنثى ، فإن هذا الأمر برغم كونه تطورا علميا هاما لا يعد شيئا ، لأن الاطلاع على الجنين والعلم به يعني أن نعلم كل خصائصه الجسمية ، القبح والجمال ، الصحة والمرض ، الاستعدادات الداخلية ، الذوق العلمي والفلسفي والأدبي ، وسائر الصفات والكيفيات الروحية ، وهذا الأمر لا يتم لغير الله سبحانه . وكذلك ما يتعلق بالمطر ، فمتى ينزل ؟ وأية منطقة يصيب ويهطل عليها ؟ وأي مقدار - على وجه الدقة - سينزل في البحر ؟ وما مقدار ما ينزل في الصحراء

--> 1 - مجمع البيان ، ذيل الآية مورد البحث . 2 - نهج البلاغة . الخطبة 128 .