الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

68

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الموجودات الأرضية والسماوية مسخرة ومطيعة له بأمر الله تعالى ، ومع كل هذا التسخير فليس من الإنصاف أن يعصي الله سبحانه ولا يطيع أوامره ( 1 ) . وجملة كل يجري لأجل مسمى إشارة إلى أن هذا النظام الدقيق لا يستمر إلى الأبد ، بل إن له نهاية بانتهاء الدنيا ، وهو ما ذكر في سورة التكوير : إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت . . . . إن ارتباط جملة إن الله بما تعملون خبير بهذا البحث سيتضح بملاحظة ما قلناه آنفا ، لأن الله الذي جعل الشمس والقمر العظيمين خاضعين لنظام دقيق ، وعاقب بين الليل والنهار بذلك النظام الخاص آلاف وملايين السنين ، كيف يمكن أن تخفى عليه أعمال البشر ؟ نعم . . إنه يعلم الأعمال ، وكذلك يعلم النيات والأفكار . وتقول الآية الأخيرة ، كاستخلاص نتيجة جامعة كلية ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير ( 2 ) . إن مجموع البحوث التي وردت في الآيات السابقة حول كون الله خالقا ومالكا ، وعن علمه وقدرته اللا متناهيين ، أثبتت هذه الأمور ، وأن الحق هو الله وحده ، وكل شئ غيره زائل وباطل ومحدود ومحتاج ، والعلي والكبير الذي يسمو على كل شئ ، ويجل عن كل وصف ، هو ذاته المقدسة ، وعلى قول الشاعر : ألا كل شئ ما خلا الله باطل * وكل نعيم لا محالة زائل ويمكن إيضاح هذا الكلام بالتعبير الفلسفي كما يلي :

--> 1 - كان لنا بحث مفصل حول تسخير الشمس والقمر والموجودات الأخرى للإنسان في ذيل الآية ( 2 ) من سورة الرعد ، والآية ( 32 ) من سورة إبراهيم . 2 - " الباء " في ( بأن الله هو الحق ) بالرغم من أنها تبدو في بادئ الأمر سببية ، وربما اعتبر بعض المفسرين كالآلوسي في روح المعاني مضمون هذه الآية سببا للمطالب السابقة ، إلا أن سياق الآيات وذكر الصفات السابقة - أي الخالقية والمالكية والعلم والقدرة وعلاماتها في عالم الخلقة - ظاهر في أنها جميعا كانت شاهدة على هذه النتيجة ، وبناء على هذا ، فإن محتوى هذه الآية نتيجة للآيات السابقة لا سببا لها .