الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

64

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وكذلك لو كانت كل البحار والمحيطات الموجودة ، والتي تشكل ثلاثة أرباع الكرة الأرضية تقريبا ، بذلك العمق الساحق ، تصبح حبرا ، عند ذلك يتضح عظمة ما سيكتب ، وكم من العلوم يمكن كتابتها بهذا المقدار من الأقلام والحبر ! سيما مع ملاحظة مضاعفة ذلك بإضافة سبعة أبحر أخرى ، وكل واحد منها يعادل كل محيطات الأرض ، وبالأخص إذا علمنا أن عدد السبعة هنا لا يعني العدد ، بل للكثرة والإشارة إلى البحار التي لا عد لها ، فعند ذلك ستتضح سعة علم الله عز وجل وترامي أطرافه ، ومع ذلك فإن كل هذه الأقلام والمحابر تنتهي ولكن علومه سبحانه لا تعرف النهاية . هل يوجد تجسيد وتصوير للنهاية أروع وأبلغ وأجمل من هذا التجسيد ؟ إن هذا العدد حي وناطق إلى الحد الذي يصطحب معه أمواج فكر الإنسان إلى الآفاق اللا محدودة ، ويغرقها في الحيرة والهيبة والجلال . إن الإنسان يشعر مع هذا البيان البليغ الواضح أن معلوماته مقابل علم الله كالصفر مقابل اللا نهاية ، ويليق به أن يقول فقط : إن علمي قد أوصلني إلى أن أطلع على جهلي ، فحتى التشبيه بالقطرة من البحر لتبيان هذه الحقيقة لا يبدو صحيحا . ومن جملة المسائل اللطيفة التي تلاحظ في الآية : أن الشجرة قد وردت بصيغة المفرد ، والأقلام قد وردت بصيغة الجمع ، وهذا تبيان لعدد الأقلام الكثيرة التي تنتج من شجرة واحدة بساقها وأغصانها . وكذلك التعبير ب‍ ( البحر ) بصيغة المفرد مع ( الف ولام ) الجنس ليشمل كل البحار والمحيطات على وجه الأرض ، خاصة وأن كل بحار العالم ومحيطاته متصلة ببعضها ، وهي في الواقع بحكم بحر واسع . والطريف في الأمر أنه لا يتحدث في مورد الأقلام عن أقلام إضافية ومساعدة ، أما فيما يتعلق بالبحار فإنه يتحدث عن سبعة أبحر أخرى ، لأن القلم يستهلك قليلا أثناء الكتابة ، والذي يستهلك أكثر هو الحبر .