الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

58

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ومثل هذه التعبيرات التي وردت مرارا في القرآن ، تبين أن النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) كان يتألم ويتعذب كثيرا عندما يرى الجاهلين العنودين يتركون سبيل الله مع تلك الدلائل البينة والعلامات الواضحة ، ويسلكون سبيل الغي والضلال ، وكان يغتم إلى درجة أن الله تعالى كان يسلي خاطره في عدة مرات ، وهذا دأب وحال المرشد والقائد الحريص المخلص . فلا تحزن أن تكفر جماعة من الناس ، ويظلموا ويجوروا وهم متنعمون بالنعم الإلهية ولا يعاقبون ، فلا عجلة في الأمر ، إذ : إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا فإننا مطلعون على أسرارهم ونياتهم كاطلاعنا على أعمالهم ، ف‍ : إن الله عليم بذات الصدور . إن تعبير : إن الله ينبئ الناس في القيامة بأعمالهم ، أو أنه تعالى ينبئهم بما كانوا فيه يختلفون ، قد ورد في آيات كثيرة من القرآن المجيد ، وبملاحظة أن ( ننبئكم ) من مادة ( نبأ ) والنبأ - على ما أورده الراغب في مفرداته - يقال للخبر الذي ينطوي على محتوى وفائدة مهمة ، وهو صريح وخال من كل أشكال الكذب ، سيتضح أن هذه التعبيرات تشير إلى أن الله سبحانه يفشي ويفضح أعمال البشر بحيث لا يبقى لأحد أي اعتراض وإنكار ، فهو يظهر ما عمله الناس في هذه الدنيا ونسوه أو تناسوه ، ويهيأوه للحساب والجزاء ، وحتى ما يخطر في قلب الإنسان ولم يطلع عليه إلا الله تعالى ، فإنه سبحانه سيذكرهم بها . ثم يضيف بأن تمتع هؤلاء بالحياة لا ينبغي أن يثير عجبك ، لأنا نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ ذلك العذاب الأليم المستمر . إن هذا التعبير لعله إشارة إلى أن هؤلاء لا يتصوروا أنهم خارجون عن قبضة قدرة الله سبحانه ، بل إنه يريد أن يمهل هؤلاء للفتنة وإتمام الحجة والأهداف الأخرى ، وإن هذا المتاع القليل من جانبه أيضا ، وكم يختلف حال هؤلاء الذين