الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

428

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

السراق أو الوحوش أهم منه في النهار الذي تسهل معه مهمة الأمن . ولكن هؤلاء جحدوا نعم الله العظيمة التي شملت كل مناحي حياتهم - كما هو الحال بالنسبة لغيرهم من الأقوام المتنعمة - ولبسهم الغرور ، وأحاطت بهم الغفلة ونشوة النعيم وعدم لياقتهم له ، فأسلكتهم طريق الكفران وعدم الشكر ، وانحرفوا عن الصراط وتركوا أوامر الله خلف ظهورهم . فمن جملة مطالبهم العجيبة من الله ، فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا . أي طلبوا أن يجعل الله المسافات بين قراهم طويلة ، كي لا يستطيع الفقراء السفر جنبا إلى جنب مع الأغنياء ، ومقصودهم هو أن تكون بين القرى - كما أسلفنا - فواصل صحراوية شاسعة ، حتى لا يستطيع الفقراء ومتوسطو الحال الإقدام على السفر بلا زاد أو ماء أو مركب ، وبذا يكون السفر أحد مفاخر الأغنياء وعلامة على القدرة والثروة ، ووجوب أن يظهر هذا الامتياز ويثبت لدى الجميع . أو أنهم ملوا من الراحة والرفاه ، كما مل بنو إسرائيل من ( المن والسلوى ) ( الغذاء السماوي ) وطلبوا من الله البصل والثوم والعدس . بعضهم احتمل أيضا أن يكون المقصود بعبارة باعد بين أسفارنا أنهم أصبحوا كسالى إلى درجة لم يكونوا معها حاضرين للسفر لغرض رعي الحيوانات أو التجارة أو الزراعة ، ولذا طلبوا من الله أن يبقيهم في وطنهم دائما ويباعد بين السفرة والأخرى . ولكن يبدو أن التفسير الأول أفضل . على كل حال فإنهم بهذا العمل أوقعوا الظلم على أنفسهم وظلموا أنفسهم . نعم ، فإن كانوا يظنون أنهم إنما يظلمون غيرهم فقد اشتبهوا ، إذ أنهم قد استلوا خنجرا ومزقوا به صدورهم ، ودخان النار التي أسعروها أعمى عيونهم . ويا له من تعبير رائع ، ذلك الذي أوضح به القرآن الكريم مصيرهم المؤلم ، حيث يقول : إننا جازيناهم ودمرنا بلادهم ومعيشتهم بحيث : فجعلنا أحاديث . نعم فلم يبق من تلك الحياة المرفهة ، والتمدن العريض المشرق ، إلا أخبار على