الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
399
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
فقد شمل داود بالمواهب العظيمة سواء من الناحية المادية أو المعنوية ، وقد تعرض القرآن الكريم مرارا لذكرها . ففي موضع يقول تعالى : ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين . ( 1 ) وفي موضع آخر يقول تعالى على لسان داود يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين . ( 2 ) وسترد ضمن حديثنا حول آخر هذه الآيات ، معجزات مختلفة تمثل جزءا من هذا الفضل العظيم ، وكذلك الصوت الباهر ، والقدرة العالية على القضاء العادل التي أشير إليها في سورة ( ص ) تمثل لونا آخر من ذلك الفضل الإلهي ، وأهم من ذلك كله النبوة والرسالة التي شرف بها داود . وعلى كل حال ، فبعد هذه الإشارة الإجمالية العامة ، تبدأ الآية بشرح وتوضيح جوانب من الفضائل المعنوية والمادية التي تمتع بها داود ، فيقول تعالى : يا جبال أوبي معه والطير . كلمة " أوبي " في الأصل من " التأويب " بمعنى الترجيع وإعادة الصوت في الحلق . وهذا الأصل يستعمل أيضا بمعنى " التوبة " لأن حقيقتها الرجوع إلى الله . ومع أن كل ذرات الوجود تذكر الله وتسبح بحمده ، سواء أسبح داود ( عليه السلام ) معها أو لم يسبح ، ولكن الميزة التي خص بها داود هي أنه ما إن يرفع صوته ويبدأ التسبيح ، إلا ويظهر ما كان خفيا وكامنا في الموجودات ، وتتبدل الهمهمة الباطنية إلى نغمة علنية منسجمة ، كما ورد في الروايات من تسبيح الحصاة في يد الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) . وقد ورد عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) عند ذكره لقصة داود " إنه خرج يقرأ الزبور ،
--> 1 - النمل ، 15 . 2 - النمل ، 16 .