الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
372
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وصف الإنسان بهاتين الصفتين - وظاهرهما ذمه وتوبيخه - كان نتيجة قبوله لهذه الأمانة ؟ من المسلم أن النفي هو جواب هذا السؤال ، لأن قبول هذه الأمانة أعظم فخر وميزة للإنسان ، فكيف يمكن أن يذم على قبوله مثل هذا المقام السامي ؟ أم أن هذا الوصف بسبب نسيان غالب البشر وظلمهم أنفسهم ، وعدم العلم بقدر الإنسان ومنزلته . . وبسبب الفعل الذي بدأ منذ ابتداء نسل آدم من قبل قابيل وأتباعه ، ولا يزال إلى اليوم . إن الإنسان الذي ينادى من العرش ، وبني آدم الذين وضع على رؤوسهم تاج ( كرمنا بني آدم ) والبشر الذين هم وكلاء الله في الأرض بمقتضى قوله سبحانه : إني جاعل في الأرض خليفة والإنسان الذي كان معلما للملائكة وسجدت له ، كم يجب أن يكون ظلوما جهولا لينسى كل هذه القيم السامية الرفيعة ، ويجعل نفسه أسيرة هذه الدنيا ، وتابعا لهذا التراب ، ويكون في مصاف الشياطين ، فينحدر إلى أسفل سافلين ؟ ! أجل . . إن قبول هذا الخط المنحرف - والذي كان ولا يزال له أتباع وسالكون كثيرون جدا - خير دليل على كون الإنسان ظلوما جهولا ، ولذلك نرى أنه حتى آدم نفسه ، والذي كان رأس السلسلة ومتمتعا بالعصمة ، يعترف بأنه قد ظلم نفسه ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين . ( 1 ) لقد كان " ترك الأولى " الذي صدر منه ناشئا في الحقيقة عن نسيان جزء من عظمة هذه الأمانة الكبرى ! وعلى أي حال ، فيجب الاعتراف بأن الإنسان الضعيف والصغير في الظاهر ، هو أعجوبة علم الخلقة ، حيث استطاع أن يتحمل أعباء الأمانة التي عجزت السماوات
--> 1 - الأعراف ، 23 .