الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
330
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
على الأكثر ، وإذا وجد في التواريخ والروايات فقليل جدا . والشاهد الآخر هو ما نقرؤه في الحديث المروي عن " أنس بن مالك " خادم النبي الخاص ، حيث يقول : أنا أعلم الناس بهذه الآية - آية الحجاب - لما أهديت زينب إلى رسول الله كانت معه في البيت - صنع طعاما ، ودعا القوم فقعدوا يتحدثون ، فجعل النبي يخرج ثم يرجع وهم قعود يتحدثون ، فأنزل الله : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي - إلى قوله - من وراء حجاب فضرب الحجاب وقام القوم ( 1 ) . وفي رواية أخرى عن " أنس " أنه قال : أرخى الستر بيني وبينه ، فلما رأى القوم ذلك تفرقوا ( 2 ) . بناء على هذا فإن الإسلام لم يأمر النساء المسلمات بأن يجلسن خلف الستور ، ولا يبرحن دورهن ، وليس لكلمة " المستورات " أو " المحجبات " وأمثال ذلك من التعبيرات صفة إسلامية أو بعد إسلامي بالنسبة للنساء ، بل إن ما يلزم المرأة المسلمة هو محافظتها على الحجاب الإسلامي ، إلا أن نساء النبي قد أمرن بهذا الأمر الخاص بسبب وجود أعداء كثيرين ، ومتتبعين للعيوب والمغرضين ، وكان من الممكن أن يصبحن عرضة للتهم ، وحربة تقع بيد الانتهازيين . وبتعبير آخر : إن الناس قد أمروا أن يسألوا نساء النبي ما يبتغونه من وراء حجاب . خاصة وأن التعبير ب " وراء " يشهد لهذا المعنى . ولذلك بين القرآن فلسفة هذا الحكم فقال : ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن . وبالرغم من أن مثل هذا التعليل لا ينافي الحكم الاستحبابي ، إلا أن ظهور الأمر في جملة فاسألوهن لا يتزلزل في دلالته على الوجوب ، لأن مثل هذا التعليل قد ورد أحيانا في موارد أحكام واجبة أخرى .
--> 1 - صحيح البخاري ، ج 6 ، ص 149 . 2 - المصدر السابق .