الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
267
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
بعد تشخيص هذه الحقيقة ؟ ومضافا إلى ذلك فإننا منه تعالى ، وكل ما لدينا منه ، ولا يمكن أن يكون لنا أمر وقرار إلا التسليم لإرادته وأمره ، ولذلك ترى بين دفتي القرآن آيات كثيرة تشير إلى هذه المسألة : فمرة تقول آية : إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون . ( 1 ) وتقول أخرى : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما . ( 2 ) ويقول القرآن في موضع آخر : ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن . ( 3 ) إن " الإسلام " أخذ من مادة " التسليم " ، وهو يشير إلى هذه الحقيقة ، وبناء على هذا فإن كل إنسان يتمتع بروح الإسلام بمقدار تسليمه لله سبحانه . ينقسم الناس عدة أقسام من هذه الناحية : فقسم يسلمون لأمر الله في الموارد التي تنفعهم فقط ، وهؤلاء في الحقيقة مشركون انتحلوا اسم الإسلام ، وعملهم تجزئة لأحكام الله تعالى ، فهم مصداق نؤمن ببعض ونكفر ببعض فإيمانهم في الحقيقة إيمان بمصالحهم لا بالله تعالى . وآخرون جعلوا إرادتهم تبعا لإرادة الله ، وإذا تعارضت منافعهم الزائلة مع أمر الله سبحانه ، فإنهم يغضون الطرف عنها ويسلمون لأمر الله ، وهؤلاء هم المؤمنون والمسلمون الحقيقيون . والقسم الثالث أسمى من هؤلاء ، فهم لا يريدون إلا ما أراد الله ، وليس في
--> 1 - النور ، 51 . 2 - النساء ، 65 . 3 - النساء ، 125 .