الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

218

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

" بني النضير " إلى خيبر ، وبعضهم الآخر إلى الشام ( 1 ) . بناء على هذا فإن " بني قريظة " كانوا آخر من بقي في المدينة إلى السنة الخامسة للهجرة حيث وقعت غزوة الأحزاب ، وكما قلنا في تفسير الآيات السبع عشرة المتعلقة بمعركة الأحزاب ، فإنهم نقضوا عهدهم في هذه المعركة ، واتصلوا بمشركي العرب ، وشهروا السيوف بوجه المسلمين . بعد انتهاء غزوة الأحزاب والتراجع المشين والمخزي لقريش وغطفان وسائر قبائل العرب عن المدينة ، فإن النبي ( صلى الله عليه وآله ) - طبقا للروايات الإسلامية - عاد إلى منزله وخلع لامة الحرب وذهب يغتسل ، فنزل عليه جبرئيل بأمر الله وقال : لماذا ألقيت سلاحك وهذه الملائكة قد استعدت للحرب ؟ عليك أن تسير الآن نحو بني قريظة وتنهي أمرهم . لم تكن هناك فرصة لتصفية الحساب مع بني قريظة أفضل من هذه الفرصة ، حيث كان المسلمون في حرارة الانتصار ، وبنو قريظة يعيشون لوعة الهزيمة المرة ، وقد سيطر عليهم الرعب الشديد ، وكان حلفاؤهم من قبائل العرب متعبين منهكي القوى خائري العزائم ، وهم في طريقهم إلى ديارهم يجرون أذيال الخيبة ، ولم يكن هناك من يحميهم ويدافع عنهم . هنا نادى مناد من قبل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بأن توجهوا إلى بني قريظة قبل أن تصلوا العصر ، فاستعد المسلمون بسرعة وتهيئوا للمسير إلى الحرب ، وما كادت الشمس تغرب إلا وكانت حصون بني قريظة المحكمة محاصرة تماما . لقد استمرت هذه المحاصرة خمسة وعشرين يوما ، وأخير سلموا جميعا - كما سيأتي في البحوث - فقتل بعضهم ، وأضيف إلى سجل انتصارات المسلمين انتصار عظيم آخر ، وتطهرت أرض المدينة من دنس هؤلاء المنافقين والأعداء اللدودين

--> 1 - الكامل لابن الأثير ، المجلد 2 ، صفحة 137 - 173 .