الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

207

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

لقد استعد هؤلاء في أحد أيام الحرب للمبارزة الفردية ، ولبسوا عدة الحرب ، واستطاعوا اختراق الخندق والعبور بخيولهم إلى الجانب الآخر من خلال نقطة ضيقة فيه ، كانت بعيدة نسبيا عن مرمى الرماة المسلمين ، وأن يقفوا أمام جيش المسلمين ، وكان أشهرهم " عمرو بن عبد ود " . فتقدم وقد ركبه الغرور والاعتداد بالنفس ، وكانت له خبرة طويلة في الحرب ، ورفع صوته طالبا من يبارزه . لقد دوى نداؤه ( هل من مبارز ) في ميدان الأحزاب ، ولما لم يجرأوا أحد من المسلمين على قتاله اشتدت جرأته وبدأ يسخر من معتقدات المسلمين ، فقال : أين جنتكم التي تزعمون أن من قتل منكم دخلها ؟ هل فيكم من أرسله إلى الجنة ، أو يدفعني إلى النار ؟ وهنا أنشد أبياته المعروفة : ولقد بححت من النداء بجمعكم هل من مبارز ووقفت إذ جبن المشجع موقف البطل المناجز إن السماحة والشجاعة في الفتى خير الغرائز فأمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) عند ذاك أن يخرج إليه رجل ويبعد شره عن المسلمين ، إلا أن أحدا لم يجب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلا علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : " إنه عمرو " فقال علي ( عليه السلام ) : " وإن كان عمروا " فدعاه النبي ( صلى الله عليه وآله ) وعممه ، وقلده سيفه الخاص ذا الفقار ، ثم دعا له فقال : " اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته " . فمشى علي ( عليه السلام ) إلى الحرب وهو يرتجز : لا تعجلن فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز ذو نية وبصيرة والصدق منجي كل فائز إني لأرجو أن أقيم عليك نائحة الجنائز