الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

192

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

" المعوقين " من مادة ( عوق ) على زنة ( شوق ) تعني منع الشئ ومحاولة صرف الآخرين عنه ، و " البأس " في الأصل يعني ( الشدة ) ، والمراد منه هنا الحرب . ويحتمل أن تكون الآية أعلاه مشيرة إلى فئتين : فئة من المنافقين الذين كانوا بين صفوف المسلمين - وتعبير ( منكم ) شاهد على هذا - وكانوا يسعون إلى صرف ضعاف الإيمان من المسلمين عن الحرب ، وهؤلاء هم " المعوقون " . والفئة الأخرى هم ( المنافقون أو اليهود ) الذين تنحوا جانبا ، وعندما كانوا يلتقون بجنود النبي ( صلى الله عليه وآله ) كانوا يقولون : هلم إلينا وتنحوا عن القتال ، وهؤلاء هم الذين أشارت إليهم الجملة الثانية . ويحتمل أن تكون هذه الآية بيانا لحالتين مختلفتين لفئة واحدة ، وهم الذين يعوقون الناس عن الحرب عندما يكونون بينهم ، وعندما يعتزلونهم يدعون الناس إليهم . ونقرأ في رواية : أن أحد أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) جاء من ميدان حرب الأحزاب إلى داخل المدينة لحاجة ، فرأى أخاه قد وضع أمامه الخبز واللحم المشوي والشراب ، فقال له : أنت في هذه الحال تلتذ ورسول الله مشغول بالحرب ، وهو بين الأسنة والسيوف ؟ ! فقال أخوه : يا أحمق ! ابق معنا وشاركنا مجلسنا ، فوالذي يحلف به محمد إنه لن يرجع من هذه المعركة ! وسوف لن يدع هذا الجيش العظيم الذي اجتمع عليه محمدا وأصحابه أحياء ! فقال له الأول : أنت تكذب ، وأقسم بالله لأذهبن إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأخبره بما قلت ، فجاء إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأخبره بما جرى ، فنزلت الآية . وبناء على سبب النزول هذا ، فإن كلمة ( إخوانهم ) وردت هنا بمعنى الإخوة الحقيقيين ، أو بمعنى أصحاب المذهب والمسلك الواحد ، كما سمت الآية ( 27 ) سورة الإسراء المبذرين إخوان الشياطين : إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين .