الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
190
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وبعد أن أفشى الله سبحانه نية المنافقين وبين أن مرادهم لم يكن حفظ بيوتهم ، بل الفرار من ميدان الحرب ، يجيبهم بأمرين : الأول : أنه يقول للنبي ( صلى الله عليه وآله ) : قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا . فافرضوا أنكم استطعتم الفرار ، فلا يعدو الأمر حالين : إما أن يكون أجلكم الحتمي وموتكم قد حان ، فأينما تكونوا يأخذ الموت بتلابيبكم ، حتى وإن كنتم في بيوتكم وبين زوجاتكم وأولادكم . وإن لم يكن أجلكم قد حان فستعمرون في هذه الدنيا أياما قليلة أخرى تكون مقترنة بالذل والهوان ، وستصبحون تحت رحمة الأعداء وفي قبضتهم ، وبعدها ستلقون العذاب الإلهي . إن هذا البيان يشبه ما ورد في غزوة أحد ، حيث أشار القرآن إلى فئة أخرى من المنافقين المثبطين للعزائم ، والمفرقين لوحدة الصف : قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم . ( 1 ) والثاني : ألم تعلموا أن كل مصائركم بيد الله ، ولن تقدروا أن تفروا من حدود حكومة الله وقدرته ومشيئته : قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا . بناء على هذا ، فإنكم إذا علمتم أن كل مقدراتكم بيده سبحانه ، فأطيعوا أمره في الجهاد الذي هو أساس العزة والكرامة والشموخ في الدنيا وعند الله ، وحتى إذا تقرر أن تنالوا وسام الشهادة فعليكم أن تستقبلوا ذلك برحابة صدر . * * *
--> 1 - آل عمران - 154 .