الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
182
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ويبقى متحيرا حينذاك . وجملة بلغت القلوب الحناجر كناية جميلة عن حالة القلق والاضطراب ، وإلا فإن القلب المادي لا يتحرك من مكانه مطلقا ، ولا يصل في أي وقت إلى الحنجرة . وجملة وتظنون بالله الظنونا إشارة إلى أن بعض المسلمين كانوا قد خطرت على أفكارهم ظنون خاطئة ، لأنهم لم يكونوا قد وصلوا بعد إلى مرحلة الكمال في الإيمان ، وهؤلاء هم الذين تقول عنهم الآية التالية : إنهم زلزلوا زلزالا شديدا . ربما كان بعضهم يفكر ويظن بأننا سننهزم في نهاية المطاف ، وينتصر جيش العدو بهذه القوة والعظمة ، وقد حانت نهاية عمر الإسلام ، وأن وعود النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالنصر سوف لا تتحقق مطلقا . من الطبيعي أن هذه الأفكار لم تكن عقيدة راسخة ، بل كانت وساوس حدثت في أعماق قلوب البعض ، وهذا شبيه بما ذكره القرآن في معركة أحد ، حيث يقول : وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية . ( 1 ) ولا شك أن المخاطب في هذه الآية محل البحث هم المؤمنون ، وجملة يا أيها الذين آمنوا التي وردت في الآية السابقة دليل واضح على هذا المعنى ، وربما لم يلتفت الذين اعتبروا المنافقين هم المخاطبون هنا إلى هذه المسألة ، أو لعلهم ظنوا أن مثل هذه الظنون لا تتناسب مع الإيمان والإسلام ، في حين أن ظهور مثل هذه الأفكار لا يتعدى كونها وسوسة شيطانية ، خاصة في تلك الظروف الصعبة المضطربة جدا ، وهذا أمر طبيعي بالنسبة لضعفاء الإيمان ، والحديثي العهد بالإسلام ( 2 ) .
--> 1 - آل عمران ، الآية 154 . 2 - فسر جمع من المفسرين ( الظنون ) هنا بالمعنى الأعم من الظن السئ والحسن ، إلا أن القرائن الموجودة في هذه الآية والآية التالية تبين أن المراد من الظنون هنا السيئة منها .