الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

146

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

نعم ، إن هذه السحب السابحة في السماء بحار كبيرة من المياه العذبة ترسل إلى الأراضي اليابسة بأمر الله ومعونة الرياح . والواقع أنه لولا المطر فإن كثيرا من الأراضي لا ترى حتى القطرة الواحدة من الماء ، وإذا افترضنا أن هناك أنهارا غزيرة المياه فان تلك المياه لا تصل إلى أغلب الأراضي ، إلا أننا نرى أنه ببركة هذه الرحمة الإلهية قد نبتت ونمت الأعشاب والغابات والأشجار الكثيرة جدا على قمم كثير من الجبال والوديان الوعرة والتلال المرتفعة ، وهذه القدرة العجيبة للمطر على الري لا يستطيع القيام بها شئ آخر . " زرعا " له هنا معنى واسعا يشمل كل أنواع العشب والشجر ، وإن كان يستعمل أحيانا في مقابل الشجر . ويمكن أن يكون تقديم الدواب والأنعام على البشر في هذه الآية لأن تغذية الحيوانات تعتمد على النبات ، في حين أن البشر يتغذى على النبات وعلى لحوم الحيوانات . أو من جهة أن النبات بمجرد نموه يصبح غذاء للحيوانات ، وتستطيع الاستفادة منه وهضمه ، في حين أن استفادة الإنسان من النباتات ، تتأخر حتى تحمل الشجرة وتنضج الثمرة . والطريف هنا أن جملة : أفلا يبصرون قد وردت في نهاية الآية مورد البحث ، في حين أن الآية السابقة التي كانت تتحدث عن أطلال قصور الأقوام الغابرة قد ختمت بجملة : أفلا يسمعون . وعلة هذا الاختلاف هو أن الجميع يرون بأم أعينهم منظر الأراضي الميتة وهي تحيا على أثر نزول الأمطار ونمو نباتها وينع ثمرها ، في حين أنهم يسمعون المسائل المرتبطة بالأقوام السابقين كإخبار غالبا . ويستفاد من مجموع الآيتين أعلاه أن الله تعالى يقول لهؤلاء العصاة